نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٣ - الشرح والتفسير عظم مصيبة رحيل النّبي صلى الله عليه و آله
قال الإمام الباقر عليه السلام: «إنْ اصِبْتَ بِمُصيبَةٍ في نَفْسِك أوْ في مالِك أوْ في وَلَدِك فَاذْكُرْ مُصابَك بِرَسُولِ اللَّه فَإنَّ الْخَلائِقَ لَمْيُصابُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ» [١].
ثم أشار عليه السلام إلى قضية أخرى فقال: «وَ لَوْ لَا أَنَّك أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ، لَانْفَدْنَا [٢] عَلَيْك مَاءَ الشُّؤونِ، وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلًا وَالْكَمَدُ مُحَالِفاً، وَقَلَّا لَك!».
وبالنظر إلى أنّ شؤون، جمع شأن التي تعني هنا غدد الدموع فمراد الإمام عليه السلام لولا أنّك نهيتنا عن البكاء والجزع لبكيناك حتى ينضب ماء عيوننا، لكننا تعلمنا منك الصبر والجلد، فقد بكيت ولدك إبراهيم حين توفي لكنك لم تجزع، وهذا ما فعلته بمصاب عمّك حمزة ومن هنا علمتنا الصبر.
و «المماطل»: المدين الذي يؤخر أداء الدين، ويقال: داء المماطل للمرض الذي لا علاج له والذي يشبه ذلك المدين.
و «الكمد»: الحزن الباطني، والمحالف: من يعاهد غيره ويفي بالعهد، فكمد محالف بإشارة إلى الحزن الباطني الثابت.
ويشير ضمير المثنى في (قَلّا لك) إلى ذلك الداء والكمد؛ أيأنّ ألم مصابك وحزنه الدائم لا شيء أيضاً إزاء عظمة مصيبتك.
ثم قال عليه السلام: «وَلَكِنَّهُ مَا لَا يُمْلَك رَدُّهُ، وَلَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ!». فالبكاء والجزع لا يجدي نفعاً ولابدّ من الصبر والرضا برضى اللَّه.
ثم عبر في الختام أيضاً عن حبّه للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله وتعلقه به فقال: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّك، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِك [٣]».
ومفهوم هذه العبارة أنّ روحك الطاهرة عرجت إلى الملكوت الأعلى جوار الربّ. فادع لنا هناك واسأل اللَّه قضاء حوائجنا واستحضرنا على الدوام.
[١]. الكافي، ج ٣، ص ٢٢٠، ح ٢.
[٢]. «انفدنا» من «النفاد» انتهاء الشيء و «انفاد» مصدر باب افعال الانتهاء.
[٣]. «البال» الخاطر والقلب والحال.