نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٨ - الشرح والتفسير بداية خلق الكون
فقد ذكر الإمام عليه السلام في هذه الخطبة على غرار الخطبة الاولى والخطبة ٩١ من «نهج البلاغة» أنّ بداية الخلق كانت من المياه، وقطعاً ليس المراد المياه الطبيعية اليوم، بل الكتل العظيمة المذابة والمتلاطمة التي صنعها اللَّه بقدرته، وقد تحولت هذه المادة المذابة بمرور الزمان إلى مواد جافة فكونت الأرض والكرات السماوية، ويتفق هذا الطرح مع النظريات العلمية المعاصرة بشأن ظهور الكون، جدير ذكره أنّ العبارة (من ماء البحر الزاخر) تفيد أنّ قسماً من هذا البحر الزاخر تحول إلى كرات سماوية وبقي قسم منها وهذا ما ينسجم أيضاً والاكتشافات العلمية التي تقول: ما زالت مواد عظيمة من الكتل الغازية المحرقة أو المواد المذابة في السماء لم تتحول إلى كرات على غرار كرات المنظومة الشمسية.
ثم تحدّث عن ظهور السموات السبع فقال: «ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً [١]، فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَماوَات بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا [٢]، فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ، وَقَامَتْ عَلى حَدِّهِ».
والكلام اقتباس ممّا ورد في الآية ٣٠ من سورة الأنبياء: «أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ».
ومن الواضح أنّ المشاهدة في هذه الآية ليست المشاهدة الحسية وبالعين، بل المشاهدة الباطنية من خلال العلم والمعرفة، ذهبت النظريات العلميّة اليوم إلى أنّ السماء والأرض كانتا في البداية كتلة عظيمة من الغازات والمواد المذابة وقد انفصلت منها بعض القطع الواحدة تلو الأخرى اثر دورانها حول نفسها أو بفعل عوامل أخرى فقذفت في زاوية من الفضاء وكونت الكرات والمنظومات والمجرات.
ثم تطرق عليه السلام إلى خلق الأرض فقال: «وَأَرْسَى [٣] أَرْضاً يَحْمِلُهَا الأَخْضَرُ [٤]
[١]. «اطباق» جمع «طَبَق» الطبقات على بعضها.
[٢]. «ارتقاق» الاتصال من مادة «رتق» وضد ها «فتق».
[٣]. «أرسى» من مادة «رسو» على وزن «مسح» الثابت والراسخ.
[٤]. «اخضر» إشارة إلى عمق البحار التي تبدو لكثرة العمق بهذا اللون.