نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٥ - الشرح والتفسير انس العباد
القسم الأوّل
اللّهُمَّ إِنَّك آنَسُ الْانِسِينَ لِاوْلِيَائِك، وَأَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَةِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْك. تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ، وَتَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ. فَأَسْرَارُهُمْ لَك مَكْشُوفَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْك مَلْهُوفَةٌ. إِنْ أَوْحَشَتْهُمُ الْغُرْبَةُ آنَسَهُمْ ذِكْرُك، وَإِنْ صُبَّتْ عَلَيْهِمْ الْمَصَائِبُ لَجَأُوا إِلَى الْاسْتِجَارَةِ بِك، عِلْماً بِأَنَّ أَزِمَّةَ الْامُورِ بِيَدِك، وَمَصَادِرَهَا عَنْ قَضَائِك.
الشرح والتفسير: انس العباد
تضرع الإمام عليه السلام إلى اللَّه في مستهل هذا الدعاء المهذِّب للروح والمربّي للإنسان قائلًا: «اللّهُمَّ إِنَّك آنَسُ [١] الْانِسِينَ لِاوْلِيَائِك، وَأَحْضَرُهُمْ بِالْكِفَايَةِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْك».
إشارة إلى أنّ من تحلّى بهاتين الصفتين سيشمل بهذه النعمة العظيمة بالأُنس باللَّه وقضائه لمشاكله بأن يكون في عداد أولياء اللَّه أو المتوكلين عليه، وهكذا يعطي الإمام عليه السلام درساً في تهذيب الإنسان ضمن مناجاته لربه. ولما كان حلّ المشاكل منوط بالعلم بهم قال مواصلًا دعاءه: «تُشَاهِدُهُمْ فِي سَرَائِرِهِمْ، وَتَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَتَعْلَمُ مَبْلَغَ بَصَائِرِهِمْ. فَأَسْرَارُهُمْ لَك مَكْشُوفَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ إِلَيْك مَلْهُوفَةٌ [٢]».
نعم، اللَّه عالم بأسرارهم وبواطنهم، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا
[١]. «آنس» صيغة افعل التفضيل من مادة «انس» تعني هنا أشد الانس وحقيقة الانس، الهدوء عند الشيء وقال البعض يقال الإنسان: لأنسه بالروح الاجتماعية.
[٢]. «ملهوفة» المشتاق أو المضطر ومن مادة «لهف» على وزن «كهف» والمعنى الأوّل أنسب.