نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - الشرح والتفسير تحمل الصعاب
التنازل عنها استجابة للقوّة والغطرسة فإمّا أن يصبر ويتحمل أو يموت كمداً من القهر، وهذا هو الشعار الذي يهتف به الاستكبار العالمي خفية أو علانية: «المُلْكُ لِمَنْ غَلَبَ» ولابدّ هنا من سؤال ابن أبي الحديد: هل هذه العبارة جزء من المتشابه وينبغي تأويلها وعدم حملها على الظاهر؟!
ثم قال الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه: «فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ [١]، وَلَا ذَابٌّ وَلَا مُسَاعِدٌ، إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي؛ فَضَنَنْتُ [٢] بِهِمْ عَنْ الْمَنِيَّةِ».
تشير هذه العبارة إلى أنّ الناس انساقت للحكومة آنذاك فهذا طمعاً وذاك خوفاً وثالث حقداً وبغضاً ورثه من المعارك الإسلاميّة السابقة، وأخيراً الغفلة الجهالة، كان من الطبيعي أن يتعذر على الإمام في ظل تلك الشرائط أن ينهض ليشكل حكومة العدل الإسلامى وهي الامتداد لحكومة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله.
ومن هنا قال إثر ذلك: «فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى [٣]، وَجَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا [٤]، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ [٥]، وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ [٦] الشِّفَارِ [٧]».
إشارة إلى أنّه لا ينبغي قط أن يفسّر سكوتي على تلك الاوضاع بالدليل على الرضى، بل إني أتأوّه بشدّة من الانحرافات التي أعقبت وفاة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله في الحكومة الإسلاميّة؛ لكن لم يكن أمامي سوى الصبر والسكوت.
وعقب اختتام الخطبة: «قالَ الشَّريفُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: وَقَدْ مَضى هذا الْكَلامُ في أثْناءِ خُطْبَة مُتَقَدِّمَة، إلّاأنّي ذَكَرْتُهُ هاهُنا لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ».
[١]. «رافد» من مادة «رفد» على وزن «ربط» بمعنى المعونة والعطاء والمساعدة.
[٢]. «ضننت» من مادة «ضنّ» على وزن «فنّ» تعني في الأصل البخل الشديد؛ لكنها هنا التحفظ الشديد عن الشيء المطلوب.
[٣]. «قذى» هذه المفردة تقابل تماماً الصفاء والإخلاص ويطلق القذى على الأشياء الملوثة التي تقع في الماءوالشوك الذي يدخل في العين ويؤذيها.
[٤]. «شجى» من مادة «شجو» على وزن «هجو» بمعنى الحزن والشدة كما يطلق على ما يعترض حنجرة الإنسان.
[٥]. «علقم» نبتة مرّة للغاية ويطلق عليها أيضاً «حنظل» وتطلق هذ المفردة على كلّ شيء مر.
[٦]. «وخز» بمعنى اللسع والثقب والأذى.
[٧]. «شفار» جمع «شفرة» على وزن «دفعة» السكين.