نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨ - ١ علّة التسوية في العطاء
«الُمؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ» و «العامِلينَ عَلَيْها» أو القضاة وأمثالهم كان كلّ يتسلم سهماً من الزكاة بما يتناسب وموقعه وجهده، كما كان النّبي صلى الله عليه و آله يميز بين المشاة والفرسان في الغنائم؛ إلّاأنّ قسماً مهماً من الدخل كالخراج الذي يؤخذ من الأراضي الخراجيّة [١] والتي تشكل مبالغ طائلة فلابدّ من توزيعها بالسوية على المسلمين.
بالضبط كالشي الموقوف على الأولاد والذين ينبغي أن يأخذوا منه بالتساوي كيفما كانوا وكالدعم الذي يدفع في عصرنا من بيت المال الذي يتساوى فيه رئيس الجمهورية والإنسان العادي، وأدنى امتياز لشخصٍ دون شخصٍ مرفوض.
وقد شهد عصر الخليفة الأوّل، المنهج النبوي ومساواة الجميع؛ إلّاأنّ التمييز بدأ منذ عهد عمر بشهادة التواريخ المعتبرة وبلغ ذروته على عهد عثمان واستمر ذلك ٢٢ سنة حتى أصبح هذا الفعل الشنيع بالتدريج سُنّة.
ولنترك الكلام هنا لابن أبي الحديد الذي بين خفايا مهمّة بالاستناد إلى التواريخ والروايات فكشف النقاب عن أغلب أسرار عصر الخلفاء وحكومة أميرالمؤمنين علي عليه السلام، فقد أورد شرحاً مسهباً هذه خلاصته:
«ثم بويع- الإمام علي عليه السلام- وصعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة، وهو يوم السبت، لإحدى عشرة ليلة بقينَ من ذي الحجّة، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وذكر محمّد صلّى عليه، ثم ذكر نعمة اللَّه على أهل الإسلام، ثم ذكر الدنيا، فزهّدهم فيها، وذكر الآخرة فرغّبهم إليها، ثم قال:
أما بعد، فإنّه قبض رسول صلّى اللَّه عليه ... ثم إلتفت عليه السلام يميناً وشمالًا، فقال: ألا يقولنّ رجال منكم غداً قد غرتهم الدنيا فاتخذوا العَقار، وفجّروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الرّوقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، إذا ما منعتُهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فيقيمون ذلك،
[١]. «الأراضي الخراجية» الأراضي التي تقع بيد المسلمين في الفتوحات الإسلاميّة وتوضع تحت تصرفالمزارعين ويؤخذ منهم بالمقابل ضرائب تدعى «الخراج» والذي يبدو كثيراً بالنظر لسعة تلك الأراضي.