نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٧ - الشرح والتفسير أحوال الأموات!
أفْضَعُ مِنْهُ» [١].
ثم سعى الإمام عليه السلام ليكشف لمخاطبيه أوضاعهم في القبور بعبارات حيّة فقال:
«فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِك، أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَك، وَقَدِ ارْتَسَخَتْ [٢] أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِ [٣] فَاسْتَكَّتْ [٤]، وَاكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَابِ فَخَسَفَتْ، وَتَقَطَّعَتِ الأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا [٥]، وَهَمَدَتِ [٦] الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا، وَعَاثَ [٧] فِي كُلِ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلىً [٨] سَمَّجَهَا [٩] وَسَهَّلَ طُرُقَ الْافَةِ إِلَيْهَا، مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلَا أَيْدٍ تَدْفَعُ، وَلَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ، لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ [١٠] قُلُوبٍ، وَأَقْذَاءَ [١١] عُيُونٍ».
صحيح بقبض الروح يتوقف كلّ شي؛ لكنه مادام سالماً فإنّ له القابلية لاستعادة نشاطه لو فرض عودة الروح إليه؛ ولكن يفقد كلّ شيء بعد تعفّنه وتلاشيه، ولذلك صرّح الإمام عليه السلام: توقف الحشرات أسماعهم عن العمل والتراب أبصارهم وألسنتهم عن النظر والنطق.
ثم أكمل كلامه بعبارة بصيغة خلاصة فقال: «لَهُمْ فِي كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لَا تَنْتَقِلُ، وَغَمْرَةٌ [١٢] لَا تَنْجَلِي».
[١]. سنن الترمذي، ج ٣، ص ٣٧٩؛ ميزان الحكمة، مادة «قبر»، ح ١٦٢٥١.
[٢]. «ارتسخت» من «الارتساخ» المبالغة في الرسخ ومن «الرسوخ» النفوذ.
[٣]. «هوام» جمع «هامة» الحشرات السامّة؛ كالحية وتطلق على كلّ نوع حشرة.
[٤]. «استكت» من مادة «سك» على وزن «حك» بمعنى صمت.
[٥]. «الذلاقة» الحدة؛ ثم استعملت بمعنى اللسان وسرعة النطق ويقال: خطيب ذلق للمتكلم الفصيح والبليغ.
[٦]. «همدت» من «الهمود» على وزن «سجود» تعني في الأصل انطفاء النار. ثم استعملت بمعنى السكوت والسكون والتوقف عن العمل.
[٧]. «عاث» من مادة «عيث» على وزن «حيف» أفسد كما ورد بمعنى التبذير والمعنى الأوّل هو المراد في العبارة.
[٨]. «جديد بلى» هنالك نوع من صناعة البديع في العبارة من خلال كلمة جديد والتي تقابل البالي بصيغة مضافومضاف إليه ومعناه الفساد الجديد.
[٩]. «سمّج» من «السماجة» القبيح والمنفر و «سمج» على وزن «خشن» تطلق على من ينشد شيئاً بطريقة قبيحة.
[١٠]. «أشجان» جمع «شجن» على وزن «كفن» الهموم.
[١١]. «اقذاء» جمع «قذى» على وزن «سجى» ما يسقط قي العيون ويؤذيها من أجسام صغيرة والتي تظهر كلّ ساعة على جسد الميت.
[١٢]. «غمرة» تعني في الأصل الماء الجارف الذي يغطي الأشياء ثم اطلق على كلّ أمر شديد.