نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣ - الشرح والتفسير حجج طلحة والزبير
المسلمين إمّا يكون تقصير في إحقاق الحقوق أو الجهل بحق أو الخطأ في التنفيذ.
والإمام عليه السلام يقول لهما: إن كان لديكما إشكال على أيٍّ من هذه الأمور قولا لي صراحة، وحيث لم يستطيعا الإشارة إلى قضية عجزا عن الإتيان بإجابة، وهذا ديدن جميع المخطئين الانتهازيين الذين يرسلون الكلام على عواهنه ويثيرون الضجيج دون الإشارة إلى نقطة معينة.
ثم قدم الإمام عليه السلام جواباً واضحاً لإشكالهما بخصوص ترك المشورة فقال: «وَاللَّه مَا كانَتْ لِي فِي الْخِلَافَةِ رَغْبَةٌ، وَلَا فِي الْوِلَايَةِ إِرْبَةٌ [١]، وَلَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا، وَحَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إلَى كِتَابِ اللَّه وَمَا وَضَعَ لَنَا، وَأَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، وَمَا اسْتَنَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله، فَاقْتَدَيْتُهُ، فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذلِك إِلَى رَأْيِكُمَا، وَلَا رَأْيِ غَيْرِكُمَا، وَلَا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ؛ فأَسْتَشِيرَكُمَا وَإِخْوَانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلَوْ كَانَ ذلِك لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا، وَلَا عَنْ غَيْرِكُمَا».
أشار الإمام عليه السلام في الواقع بهذه العبارة إلى أمرين؛ الأوّل: إنّه لم يتخذ عضداً في قبول الخلافة الظاهرية وقد تمّت الحجّة عليه بقبولها بفعل إصرار المسلمين ولاسيما بعضهم كطلحة والزبير، وعليه فليس هنالك من توقع من الإمام سوى رعاية حقوق الناس.
طبعاً أصحاب الدنيا الذين ينشدون المناصب يدعون هذا وذاك لدعمهم ويعدونهم ببعض المناصب قبل بلوغها إن وصلوا لسدّة الحكم، لكن لا معنى لمثل هذا التوقع بالنسبة لأولياء اللَّه الذين لا يرغبون في هذه المناصب سوى استجابة لرغبة الناس.
الثاني: إنّ مسألة المشورة صحيحة؛ ولكن «لكل مقام مقال ولكل حادثة حديث» حقاً ليس هنالك من مجال للمشورة في الأمور الإسلاميّة القطعيّة وأوامر اللَّه والنّبي صلى الله عليه و آله، بينما تبدو المشورة مفتوحة في الأمور التنفيذية التي تتنوع أساليبها.
[١]. «إربة» من مادة «أرب» على وزن «عرب» تعني في الأصل شدّة الحاجة التي يجهد الإنسان من أجل قضائها.