نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٨ - الشرح والتفسير خصائص البيئة الملوثة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويهجر إرشاد الجاهل وتنبيه العاقل.
ثم أشار عليه السلام إلى صفتين هما في الواقع نتيجة للصفات الثلاث السابقة فقال:
«أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ [١] عَلَى الْادْهَانِ [٢]».
لا شك في أنّ هناك معاصٍ في كلّ مجتمع ومداهنة ومسايرة، إلّاأنّ البؤس والشقاء في حركة عامة نحو الذنب والمعصية وبصورة مستمرة ودائمية، كما أنّ المصيبة والتعاسة في اصطفاف المداهنين واتحادهم على هذا الأمر.
ثم قال عليه السلام في الصفة السادسة والسابعة: «فَتَاهُمْ عَارِمٌ [٣]، وَشَائِبُهُمْ [٤] آثِمٌ».
من البديهي في الوسط الذي يصمت فيه أصحاب الحق ويغيب فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تتلوث الأوساط الاسرية فينشأ الشبّان في هذه الأوساط سيئي الخلق وفاقدي الأدب، كما أنّه من الواضح أنّ هؤلاء الشبّان حين يشيخون لا يفارقون الاعتياد على المعصية ويغفلون عن أنّ عمرهم اقترب من نهايته وسيحل أجلهم فيغطون في بحر المعاصي بسبب تلك الغفلة.
وقال في الصفة الثامنة والتاسعة: «وَعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ، وَقَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ [٥]».
نعم، فعلماء ذلك الوسط الذين أقبلوا على الدنيا إنّما يرون النفاق سبيلًا لنيلها، كما ورد في الخطبة ١٩٤: «وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ».
وردت المفردة «قارئهم» في أغلب نسخ «نهج البلاغة» وهذا ما رجحه أغلب الشرّاح كونه يناسب العبارة السابقة، فالكلام هناك عن العلماء وهنا عن قراء القرآن والعابدين. بينما وردت في بعض النسخ (قارن) من مادة قرين بمعنى الصديق
[١]. «مصطلحون» اتفاق الأفراد على شيء، من مادة «صلح».
[٢]. «إدهان» تعني في الأصل التدهين. ثم استعملت في الخداع والمساومة على أمر مرفوض.
[٣]. «عارم» سيىء الخلق من «العرامة» الخشونة وسوء الخلق والسيول الجارفة والموانع التي تقام لصدها في الوديان.
[٤]. «شائب» الكهل والعجوز من مادة «شيب» على وزن «غيب» الكهولة.
[٥]. «مماذق» المرائي من مادة «مذق» على وزن «حذف» مزج اللبن بالماء.