نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٣ - الشرح والتفسير حفظة الحديث
ليس المراد من الخاص والعام في هذه العبارة، الخاص والعام الاصطلاحيّان في علم الفقه والأصول، بل المراد الخاص والعام اللغويان؛ أي الحكم الخاص بمورد معين والحكم العام، مثلًا ورد في بعض الروايات أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أمر المسلمين في السنة السابعة للهجرة بعد الحديبية حين أتوا إلى مكة لإتيان مناسك الحج، أن يسرعوا في الطواف حول البيت الحرام (ليشعر المشركون بالخوف من قوّتهم وسرعة حركتهم) [١] والحال لم تكن سنة ثابتة ودائمية، وورد في الكلمات القصار من «نهج البلاغة» أنّه سئل الإمام عليه السلام عن حديث النّبي صلى الله عليه و آله حين قال: «غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ».
قال عليه السلام: «إنّما قال ذلك (الحكم الخاص) والدين قُلّ، أمّا الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرئ وما اختار» [٢].
ثم خاض الإمام عليه السلام في مشكلة أخرى بشأن نقل الأحاديث وهي؛ «وَلَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه و آله مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّى إِنْ كانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الأَعْرَابِيُّ وَالطَّارِىءُ [٣]، فَيَسْأَلَهُ عليه السلام حَتَّى يَسْمَعُوا».
الظاهر أنّ هذه العبارة إشارة إلى الأصحاب الذين لم يكونوا من أهل التحقيق ولا طرح الأسئلة المختلفة في أصول الدين والفروع ومن هنا لم يقفوا على ناسخ ومنسوخ وعام وخاص ومحكم ومتشابه ومجمل ومبيّن، فلا يسألون عنها ولا يلمون بالمسائل ولكن إن جاء أحد وسأل وتلقى الجواب المطلوب تفاعلوا معه.
وقد فسّر بعض الشراح، العبارة المذكورة أنّ بعض الصحابة لم يكن يسأل النّبي لهيبته أو أنّ كثرة السؤال تحمل على إساءة الأدب فيمتنعون عن السؤال [٤]؛ إلّاأنّ هذا
[١]. شرح نهج البلاغة للتستري، ج ٧، ص ٢٨٠.
[٢]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ١٧.
[٣]. «طارئ» من «طروء» على وزن «غروب» حادث والخروج المفاجئ ومن هنا يقال للشخص الذي يرد حديثاً والزائر بغتة.
[٤]. كانت هنالك عوامل أخرى تحول دون السؤال كالاشتغال بالعبادات ظنّاً منهم أنّهم مأمورون بها فقط أوالانهماك في الدنيا التي تغفل الإنسان عن كلّ شيء.