نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٨ - الشرح والتفسير المشهد المروع بعد الجمل
قيل: لما قتل عبدالرحمن بن عتّاب في الجمل حمل يده المقطوعة عقاباً وألقى بها في اليمامة وتعرّف الناس على خبره من خاتمه الذي خط عليه اسمه.
على كلّ حال، أعرب الإمام عليه السلام في بداية الخطبة عن اسفه لقتل طلحة فقال:
«لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهذَا الْمَكَانِ غَرِيباً!».
التعبير (أبو محمد) دلالة على نوع من الاحترام والأسف على غربته لسوابق طلحة الحسنة في الإسلام، حيث كان ممّن صحب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله ومن الأشداء في الذبّ عن بيضة الإسلام؛ ولكن للاسف فإنّ حبّ الجاه والمقام والحسد دفعه لشن حرب دموية ضد خليفة المسلمين الذي نصب من جانب اللَّه والمبايع من قبل الامّة والتي خلفت أكثر من سبعين ألف قتيل.
ثم قال الإمام عليه السلام: «أَمَا وَاللَّه لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ الْكَوَاكِبِ!».
صحيح أنّ طلحة والزبير وأمثالهما يستحقون ذلك العقاب، لكن الإمام عليه السلام أعرب عن امتعاظه بكلّ حبّ ورأفة وعاطفته الخاصّة بالنظر لسوابقه في الإسلام ليته لم يقتل في هذا الطريق وتكون هذه العاقبة، فجميع الأنبياء والأوصياء وأولياء اللَّه يرجحون كفّ الخاطئين وحتى المجرمين الطغاة عن مسيرتهم والالتحاق بصفوف المؤمنين والصالحين.
ثم قال عليه السلام: «أَدْرَكْتُ وَتْرِي [١] مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَاف، وَأَفْلَتَتْنِي [٢] أَعْيَانُ بَنِي جُمَحَ».
هنالك خلاف بين الشرّاح بشأن المراد من «بنى عبد مناف» من هم؛ قال البعض:
إنّ المراد بهم طلحة والزبير وعبدالرحمن الذين أشير إليهما آنفاً.
وأشكل ابن أبي الحديد على أنّ طلحة والزبير لم يكونا من بنى عبدمناف، واجيب أنّهما يتصلان بعبد مناف من جانب الام وإن لم يتصلا به من طرف الأب.
[١]. «وَتْر» على وزن «سطر» و «وِتْر» على وزن «فطر» بمعنى الجناية أو الأذى ويطلق على القصاص ووردت بهذا المعنى في العبارة المذكورة.
[٢]. «أفلتتني» من «الإفلات» وردت بمعنى الخلاص والهروب وهي هنا الهروب.