نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٨ - تأمّل النسخ في أحكام الشرع
تأمّل: النسخ في أحكام الشرع
رغم أنّ موارد النسخ في آيات القرآن وروايات النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله محدودة ومعدودة؛ إلّاأنّ لهذه المسألة أهمّية خاصة؛ من حيث إرتباطها بالمسائل العقائدية والمسائل المتعلقة بالنبوّة والأحكام.
يتساءل البعض: كيف يمكن أن يوحي اللَّه للنبي حكماً ظاهره أبديّ ودائمي؛ لكنه ينسخ بعد مدّة ويحلّ محلّه حكم آخر غالباً ما يناقضه، مع أنّ علم اللَّه غير محدود وعلم النّبي أيضاً يستند إلى الوحي؟ والنسخ كثير في الأحكام العرفية والوضعية وليس ذلك من العجب، لأنّه يدرس الأمور ويضع الأحكام؛ إلّاأنّ ضعفها وعجزها يتضح عند العمل فينسخها، ولو علم العيوب والمثالب منذ البداية ربّما لم يضعها؛ إلّاأنّ هذا الأمر لا يصدق على الأحكام الشرعيّة، فما معنى النسخ فيها؟
يتضح الجواب عن هذا السؤال من الالتفات إلى نقطة وهي: أنّ النسخ في الأحكام الشرعيّة من حيث تغيير الموضوع؛ بعبارة أخرى أنّ عمر ذلك الحكم كان محدوداً منذ البداية بزمان معين وإن لم يُشر إلى نفاده لبعض المصالح.
مثلًا، حكم التصدق قبل النجوى الواردة في الآية ١٢- ١٣ من سورة المجادلة كان لاختبار أصحاب النّبي صلى الله عليه و آله وتفهيم هذه القضية أنّ أغلب مناجاة الأفراد للنبي لم تكن ضرورية ولابد من تركها حتى لا يكون هنالك اساءة ظن، ومن هنا لما أمر بالتصدق قبل النجوى تركه جميع الأصحاب سوى علي عليه السلام الذي تصدق وناجى النّبي في أمر مهم ليفخر بأنّه الوحيد الذي عمل بالآية.
ثم نزلت بعد ذلك آية نسخت التصدق قبل النجوى وعلم الجميع أنّ أغلب نجواهم لم تكن ضرورية فامتنعوا عنها، ومن هذا القبيل النسخ سواء في القرآن أو الحديث حيث يوضع حكم في ظروف معينة لمدّة معينة ثم ينسخ بعد تغيير الشرائط.