نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٤ - الشرح والتفسير حق الوالي والرعية
جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْض».
جدير ذكره أنّ الإمام عليه السلام اعتبر حقّ الناس على بعضهم فرعاً من حقّ اللَّه على الناس وناشئ من حقوقه، وبعبارة أخرى فإنّ حقّ اللَّه وحق الناس ليسا في عرض بعضهما، بل في طول بعضهما.
ثم قال: «فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ [١] فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْض».
بعبارة أخرى لا حقّ أحادي الجانب من هذه الحقوق، بل هي ثنائية جميعاً كما ورد في القسم السابق، فإن كان لأحد حقّ على الآخر كان هناك حق لذلك الآخر عليه، وعليه فهذه الحقوق متساوية ومتلازمة؛ ليس بمعنى إن لم يلتزم أحد بوظيفته كان على الآخر عدم الالتزام بها؛ مثلًا، لو لم يقم الولد بطاعة والده يتمرد الأب على تربيته وأداء نفقته، أو إن لم تعمل طائفة من الرعية بوظيفتها يقطع الوالي عنها الخدمات، بعبارة أخرى، أنّ هذه من قبيل اللازم والملزوم في مقام الوجوب، لا في مقام التحقق والعمل؛ أيكلاهما واجب، سواء عمل الطرف المقابل بوظيفته أم لا.
ولمزيد من الإيضاح إليك هذا المثل، إن أدّت الرعية ما عليها من ضرائب وخراج سوف لن يتقاعس الوالي عن وظيفته في توفير الأمن لهم وتعليم وتربية أولادهم ومعالجة مرضاهم وجرحاهم، لأنّ كلًا من هاتين الوظيفتين مستقلة وليست مشروطة بالاخرى في مقام العمل، وإن تشابكتا كوجوبين في مقام التشريع.
وقال الإمام عليه السلام مواصلًا كلامه: «وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْك الْحُقوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ [٢]، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّه سُبْحَانَهُ لِكُلٍ عَلَى كُلٍّ».
[١]. «تتكافأ» يعنى تتساوى من مادة «كفؤ» على وزن «كفر» التساوي في المقام والمنزلة والقدر، ثم اطلقت علىكلّ شبيه ومثيل.
[٢]. «رعيّة» من مادة «رعى» على وزن «سعى» بمعنى الحفظ والمراقبة والمراعاة. ومنه «الراعي» لأنّه يحفظالماشية ويقال للحاكم «راعي» لأنّه يرعى الناس ويطلق على الناس «رعية» لأنّهم تحت رعاية وحفظ الحكومة.