نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٦ - الشرح والتفسير الدنيا الغرارة!
مِنْ قَبْرِهِ دَخَلَهُ مِنْ إنْصِرافِهِ عَنْ قَبْرِهِ وَحْشَةً» [١]. ثم استنتج عليه السلام عقب ذلك «فَاحْذَرُوا الدُّنْيا».
ثم أورد ثمان صفات للدنيا (أو عشرة على قول) كأدلة دامغة على الحذر من الدنيا فقال: «فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ، مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ، مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ [٢]، لَا يَدُومُ رَخَاؤُهَا، وَلَايَنْقَضِي عَنَاؤُهَا، وَلَا يَرْكُدُ [٣] بَلَاؤُهَا».
والمفردات «غَدَّارَةٌ غَرَّارَةٌ خَدُوعٌ» وإن كانت متقاربة من حيث المعنى لكنها في الواقع تختلف في الدقّة؛ غدارة من مادة غدر نقض العهد، وغرارة من غرور، الخدوع من خدعة الحيلة وتعلم أنّها متفاوتة وإن كانت غالباً من قبيل اللازم والملزوم، نعم، فالدنيا لا تفي لأحد وزخارفها تغرّ العديد من الناس ومختلف مناظرها ومشاهدها خدعة، العبارة «مُعْطِيَةٌ مَنُوعٌ» تعود لصفة؛ أيلا تكاد تعطي الإنسان شيئاً حتى تسترده، فلا يمضي عهد الشباب حتى تحل الكهولة ولا يذوق السلامة حتى تطاله الأمراض.
وذهب بعض الشرّاح إلى أنّ هاتين الصفتين منفصلتان وقال: الدنيا تعطي الأشياء التافهة وتمنع الأشياء القيمة، فلا قيمة لعطائها ولا يطاق منعها.
كما هنالك تفسيران للعبارة «مُلْبِسَةٌ نَزُوعٌ»: الأوّل: إنّه وصف مفهومه أنّ الدنيا تكسو الإنسان لباساً جميلًا من القدرة والعظمة وتنزعه بعد مدّة قليلة من قبل الآخرين، أو المراد أنّها تلبس ثياباً تافهة وتنزع ثياباً قيمة والتفسير الأوّل يبدو أصح في كلتا العبارتين.
وهنالك اختلاف واضح بين المفردات (رَخَاء) و (وعناء) و (بلاء) فالرخاء، الهدوء الذي قلما يحصل في الدنيا، والعناء، المتاعب والمصاعب التي تطال دائماً أهلها،
[١]. الكافي، ج ٣، ص ٢٢٨ باب زيارة القبور، ح ٤.
[٢]. «نزوع» من مادة «نزع» على وزن «نذر» الفصل.
[٣]. «لايركد» من مادة «ركود» السكون وانعدام الحركة.