نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٩ - الشرح والتفسير قصة الحديدة المحماة
القسم الثاني
وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَقَدْ أَمْلَقَ حَتَّى اسْتَمَاحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غُبْرَ الأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنَّما سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ، وَعَاوَدَنِي مُؤَكِّداً، وَكَرَّرَ عَلَيَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً، فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي، فَظَنَّ أَنِّي أَبِيعُهُ دِينِي، وَأَتَّبِعُ قِيَادَهُ مُفَارِقاً طَرِيقَتِي، فَأَحْمَيْتُ لَهُ حَدِيدَةً، ثُمَّ أَدْنَيْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهَا، فَضَجَّ ضَجِيجَ ذِي دَنَف مِنْ أَلَمِهَا، وَكادَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْ مِيْسَمِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلَتْك الثَّوَاكِلُ، يَا عَقِيلُ! أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ! أتَئِنُّ مِنَ الأَذَى وَلَا أَئِنُّ مِنْ لَظىً؟!
الشرح والتفسير: قصة الحديدة المحماة
كان للإمام عليه السلام في القسم السابق بحث كلّي بشأن اجتناب الظلم والجور التي تشير إلى ذروة السلامة من الظلم والجور، وقد ركز هنا على مصداقين واضحين كشاهدي صدق على ماذكر. فبيّن أوّلًا قصة عقيل والحديدة المحماة فشرح نموذجاً من عدله الذي ليس له مثيل ربّما في تاريخ العالم فقال: «وَاللَّه لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلًا وَقَدْ أَمْلَقَ [١] حَتَّى اسْتَمَاحَنِي [٢] مِنْ بُرِّكُمْ [٣] صَاعاً [٤]».
[١]. «امْلَق» من «الإملاق» بمعنى الفقر ومادته الأصلية «مَلَق» على وزن «شفق» النعومة ويقال الفرد المتملق كونه يتخذ حالة الذلة والنعومة واستعملت بحق الفقير لهذه الحالة.
[٢]. «استماحني» من «الاستماحة» الاستعطاء.
[٣]. «البُرّ» القمح.
[٤]. «صاع» أحد الأوزان وهو أربعة امداد وكل مد أقل من نصف كيلو، سبعمائة وخمسون غراماً تقريباً.