نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠١ - الشرح والتفسير لا تتملقوا أمامي
القسم الخامس
فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ، وَلَا تَظُنُّوا بِيَ اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَلَا الِتمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَو الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَة بِحَقٍّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ في نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِيءَ، وَلَا آمَنُ ذلِك مِنْ فِعْلِي، إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللَّه مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإِنَّما أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ؛ يَمْلِك مِنّا مَا لَا نَمْلِك مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحَنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى.
الشرح والتفسير: لا تتملقوا أمامي
جانب مهم من هذه الخطبة- كما أشرنا- في بيان حقوق الوالي والرعية وقد غير الإمام عليه السلام مسار الخطبة بعد أن أثنى عليه أحد الحاضرين إلى جانب خاص من حقوق الوالي والرعية وهو ترك المدح والثناء على الولاة والحكّام.
ثم خاض هنا آخر الخطبة في آفة أخرى من آفات الحكّام والناس في أنّ إرتباطهم ببعضهم علاقة تملّق وكتمان الحقائق المريرة لصعوبتها وترك النقد الصائب والبناء فقال: «فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ [١]، وَلَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ».
[١]. «بادرة» من «البدور» على وزن «غروب» تعني في الأصل المسارعة إلى القيام بعمل و «بادرة» الحركات السريعة والخاطئة التي تصدر من الغاضب.