نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٢ - الشرح والتفسير رحمة اللَّه ومعصية العبد؟!
وهذا ما نقرأه في دعاء الافتتاح في شهر رمضان المبارك: «يا رَبِّ، انَّك تَدْعُوني فَاوَلّي عَنْك، وَتَتَحَبَّبُ الَيَّ فَاتَبَغَّضُ الَيْك، وَتَتَوَدَّدُ الَيَّ فَلا اقْبَلُ مِنْك، كَانَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْك، فَلَمْ يَمْنَعْك ذلِك مِنَ الرَّحْمَةِ لي وَالْاحْسانِ الَيَّ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِك وَكَرَمِك».
ثم قال: «فَتَعَالَى مِنْ قَوِيٍّ مَا أَكْرَمَهُ! وَتَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِيفٍ مَا أَجْرَأَك عَلَى مَعْصِيَتِهِ! وَأَنْتَ فِي كَنَفِ [١] سِتْرِهِ مُقِيمٌ، وَفِي سَعَةِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبٌ!».
إشارة إلى أنّه ليس من العجب أن يعتمد الأفراد الأقوياء أُسلوب العنف. والعجب أن يسلك الفرد الضعيف والذليل العاجز هذا الطريق؛ إلّاأنّ اللَّه بكلّ تلك القدرة العظيمة هو منتهى الحب والرأفة بينما يبدي هذا الإنسان بكلّ هذا الضعف والعجز كلّ هذه الجرأة على المعصية في حين لا يمسك عنه فضله ورحمته وهذا عجيب حقّاً!
ثم قال عليه السلام: «فَلَمْ يَمْنَعْك فَضْلَهُ، وَلَمْ يَهْتِك عَنْك سِتْرَهُ، بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرِفَ عَيْنٍ [٢] فِي نِعْمَةٍ يُحْدِثُهَا لَك، أَوْ سَيِّئَةٍ يَسْتُرُهَا عَلَيْك، أَوْ بَلِيَّةٍ يَصْرِفُهَا عَنْك! فَمَا ظَنُّك بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ!».
إشارة إلى أنّ الإنسان لا يخلو من ثلاث حالات: إما مشمول بنعمة لابدّ أن يؤدي شكرها، أو ارتكب معصية سترها اللَّه وعليه أن يمتن لذلك الستر ويستغفر أو دفع عنه بلاءً وينبغي له أن يعرف قيمة هذه النعمة، هذا بينما مَن يسير في طريق العصيان لا يكترث لأوامر اللَّه ونواهيه، فما عساه أن فكر بأنّ اللَّه الرحيم والغاية في الكرم كيف سيجازيهم إن أطاعوه، وهذه هي مسألة «وجوب شكر المنعم» التي يمكنها أن تكون دافعاً لمعرفة اللَّه كما يقول علماء العقائد.
آنذاك نظر الإمام إلى هذه المسألة من زاوية أخرى فخاض في بيان آخر لإيقاظ
[١]. «كنف» من مادة «كنف» على وزن «حرف» بمعنى محفوظ.
[٢]. «مطرف عين» من مادة «طرف» على وزن «حرف» إغماض العين وفتحها و «مطرف» مصدر ميمي بالمعنىالمذكور.