نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦١ - الشرح والتفسير المعبر الذي لا مفر منه
حتى شوهد البعض وقد توفي وهو يتحدّث، فذكر المبتدأ ولم يبلغ الخبر.
فقد بيّن عليه السلام في هذه العبارات آثار الموت في وسط المتبقين حيث لا ينقطع كلامه الظاهري فحسب، بل يخمد حتى الهمس؛ فيتفرق عنه الحاضرون فجأة وسرعان ما تزول آثار الإنسان ويفرغ بيته وينطفئ ضياؤه وإن كان هنالك من ضجيج فبين الورثة الذين عادة ما يتنازعون على الميراث وكأنّهم لا يدرون أنّهم سيلتحقون بالموتى عن قريب.
ثم قسّم عليه السلام الورثة في ختام هذه الفقرة إلى ثلاث؛ فئة من خواص الإنسان؛ إلّا أنّ مودتهم تزول آنذاك: «بَيْنَ حَمِيم خَاصٍّ لَمْ يَنْفَعْ».
والثانية، القرابة المحزونة والملتاعة التي لا يسعها دفع الموت «وَ قَرِيبٍ مَحْزُونٍ لَمْ يَمْنَعْ». والثالثة، العدو الشامت الذي لا يجزعه موت «وَآخَرَ شَامِت لَمْ يَجْزَعْ».
وأشار الإمام عليه السلام في المقطع الأخير من كلامه إلى موت الفجأة؛ السكتة القلبية أو الدماغية والحوادث الأليمة المتنوعة التي تفني الإنسان في لحظة، الموت الذي لا يأبه بمكانة الأشخاص ولا بعمرهم فيطال كما مضى حتى الأنبياء، ويالها من عبرة يختزنها هذا الموت الذي يحدث كثيراً ويزداد يوماً بعد آخر، ففي لحظة آنية ينتهي كلّ شيء ويتفرق الجمع ويغتنم الصديق ويفرح العدو- ويالهم من غافلين أولئك الذين يتجاهلون هذه الحوادث وينهمكون بالذنوب والمعاصي ويقارفون أنواع الآثام بغية الحصول على المال. نعم إنّ هؤلاء المغفلين ينسون طبيعة ظروف حياتهم.
ورد في كتاب «الإمامة والسياسة» لابن قتيبة: فلما كانت سنة إحدى وخمسين، مرض الحسن بن عليّ مرضه الذي مات فيه، فكتب عامل المدينة ا لى معاوية يخبر بشكاية الحسن، فكتب إليه معاوية: إن استطعت ألّا تمضي يوم يمرّ بي إلّايأتيني فيه خبره فافعل،: فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفي (الإمام الحسن عليه السلام)، فكتب إليه بذلك، فلما أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً حتى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبداللَّه بن عباس وكان بالشام يومئذٍ، فدخل على معاوية، فلمّا جلس قال معاوية: