نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٥ - الشرح والتفسير جيران متباعدون
القسم الثاني
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّه أَنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ، مِمَّنْ كانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً، وَأَعْمَرَ دِيَاراً، وَأَبْعَدَ آثَاراً؛ أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُم هَامِدَةً، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً. فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِالْمُشَيَّدَةِ، وَالَّنمَارِقِ الْمُمَهَّدَةِ، الصُّخُورَ وَالإَحْجَارَ الْمُسَنَّدَةَ، وَالْقُبُورَ اللَّاطِئَةَ الْمُلْحَدَةَ، الَّتي قَدْ بُنِيَ عَلَى الْخَرَابِ فِنَاؤُهَا، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا؛ فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ، وَأَهْلِ فَرَاغٍ مُتَشَاغِلِينَ، لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْاوْطَانِ، وَلَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ، عَلَى ما بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ، وَدُنُوِّ الدَّارِ.
وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى.
الشرح والتفسير: جيران متباعدون
أخذ الإمام عليه السلام في هذا الجانب من الخطبة يد مخاطبيه ليحملهم إلى أعماق تاريخ الماضين ليريهم مصيرهم بعد ذلك العمر الطويل وتلك القوّة والاقتدار ويضع أمسهم مع يومهم فيلهم مخاطبيه وجميع عباد اللَّه من كلّ ملّة ونحلة أعظم وأعمق درس وعبرة فقال: «وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّه أَنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ».
ثم خاض عليه السلام في شرح هذا المجمل فقال: «مِمَّنْ كانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً، وَأَعْمَرَ