نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٦ - الشرح والتفسير جيران متباعدون
دِيَاراً، وَأَبْعَدَ آثَاراً؛ أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُم هَامِدَةً [١]، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً [٢]».
وقد قدّم القرآن في مختلف السور نماذج واضحة لهؤلاء الأقوام، ومن ذلك قوم عاد وثمود كنموذج واضح فقال في سورة والفجر «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّك بِعَاد* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَادِ* وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِى الأَوْتَادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِى الْبِلَادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّك سَوْطَ عَذَاب» [٣].
فقد ذكر عليه السلام ثلاث خصائص تفيد رجحان الأقوام السابقة عليهم؛ الاولى طول العمر (بحيث قيل إنّ بعضهم كان يعمر أربعمائة سنة) [٤] وعمارة المدن حتى قال فيهم القرآن: «وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً امِنِينَ» [٥]. وكانت لهم أراضٍ عامرة وبساتين نضرة ونعمة وافرة وكانوا بارعين في الزراعة.
وأخرى كانت آثارهم أبقى، إشارة إلى أنّ مساكنهم وقصورهم وسائر أعمالهم العمرانية كانت على درجة من الإحكام بحيث بقيت لسنين عديدة، لكن كيف كانت عاقبتهم، سكنت الأصوات والضجيج وسيطر عليها الصمت وتعفنت أجسادهم تحت التراب وبليت عظامهم وطويت آثارهم.
والعبارة «وَرِياحُهُم رَاكِدة» بالنظر إلى أنّ رياح جمع ريح والريح هنا بمعنى الروح والقوّة فمفهوم ركودها أنّهم قعدوا تماماً عنالعمل، وفسّره البعض بمعنى سكون ريح الغرور. كما يحتمل أن يكون المراد بها الريح التي تطال رايات الملوك والمقتدرين.
[١]. «هامدة» من «الهمود» تعني في الأصل انطفاء النار وانخفاض الحرارة ثم اطلقت على انطفاء الصوت وهذا هوالمعنى المراد في العبارة.
[٢]. «عافية» من مادة «عفو» زوال آثار الشيء كأن تهب الريح وتزيل ذرات الرمل وتمحوها عن النظر ومنه العفو الذي يعني إزالة آثار الذنب.
[٣]. سورة الفجر، الآيات ٦- ١٣.
[٤]. شرح نهج البلاغة للعلّامة الخوئي، ج ١٤، ص ٢٣٠.
[٥]. سورة الحجر، الآية ٨٢.