نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٩ - الشرح والتفسير خصائص البيئة الملوثة
ويصبح مفهوم العبارة أنّ الأصدقاء آنذاك منافقون؛ ولكن من الواضح أنّ النسخة الاولى أكثر تناسباً مع مجموع كلام الإمام عليه السلام.
وأخيراً قال في الصفتين العاشرة والحادية عشرة من صفات أهل ذلك الزمان:
«لَا يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلَا يَعُولُ [١] غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ».
واضح أنّ الشبّان واليافعين تربوا بعيداً عن الأدب والخجل والحياء لا يحترمون كبارهم، كما أنّ الكبار الذين غرسوا هذه البذور يتجرعون مرارة ثمارها.
ومن الواضح أيضاً أنّه إن غابت الفضائل الإنسانية عن المجتمع وحلّ مكانها الفساد والتكالب على الدنيا فإنّ الأغنياء سوف لن يرحموا الفقراء وينسون حقيقة أنّ اللَّه جعل للفقراء حقاً في أموالهم، ومن هنا يرون أنّ جميع تلك الأموال لهم فينفقونها في ملذاتهم. هذا إن كانت تلك الأموال جمعت من الحلال، وإلّا إن كانت من الحرام ولا يعلم أصحابها، فهي جميعاً للفقراء والمحتاجين.
وهنا يرد هذان السؤالان؛ الأوّل: لم عمّت كلّ هذه المفاسد المجتمع الإسلامي على عهد حكومة الإمام علي عليه السلام؟ ولا تبدو الإجابة صعبة إن عدنا قليلًا إلى الوراء وتأملنا عصر الخليفة الثالث وماذا فعل وبطانته ببيت المال والمناصب الحساسة الحكومية التي أغدقها على خاصته وقرابته، فالتاريخ يفيد أنّ الفساد بلغ درجة بحيث قام المسلمون على الخليفة وقتلوه بمرأى ومسمع المهاجرين والأنصار وقلّما كان له ناصر.
السؤال الآخر: أين الجذور الأصلية لتلك المفاسد الإحدى عشرة؟ لو تأملنا بدقة لرأينا أنّ أغلبها إن لم نقل جميعها ناشئة من فساد الخلافة، وكون الناس غالباً على دين حكامهم يواصلون تلك المسيرة، وأحياناً يترسخ الفساد بحيث يشق الإصلاح على من يخلفهم، كما شق على الإمام عليه السلام.
حقّاً لو دعوا الإمام يتسلّم زمام الأمور بعد النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله ويقود المجتمع
[١]. «لا يعول» من مادة «عول» على وزن «قول» كفالة الشخص، ومنه العيال.