نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٢ - تأمّل التضحية بالفرصة الكبرى
القتلى لا تبرر الاستسلام لمطالب العدو اللامشروعة.
ثم أوضح ذلك بالقول: «لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً، وَكُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّاً، وَقَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ، وَلَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ!».
وهذا أيضاً جواب لفئتين: الأقليّة المطالبة بمواصلة القتال حتى النصر والمعترضة على قبول التحكيم وإيقاف القتال الذي أوشك على تحقيق النصر، فقال: ما عساني أفعل وقد سلبت المبادرة وتعثرت الإمرة وعصيتم وتمردتم، والأكثرية التي استجابت لطلب العدو فخاطبها أنّها لم تستجب لذلك الطلب حرمة للقرآن، بل بسبب حبّ البقاء والتنصل من التضحية في سبيل اللَّه (فتأمّل).
تأمّل: التضحية بالفرصة الكبرى
رقة كلمات أمير المؤمنين عليه السلام إزاء معارضي مواصلة القتال تفيد مدى مرونته، والتي ربّما تثير هذا السؤال: لماذا لم يدع الإمام مالك الأشتر ليواصل المعركة التي أشرفت على تحقيق النصر وإنقاذ المسلمين من شرّ بني أمية وأتباعهم؟
والجواب عن هذا السؤال يكمن في تاريخ صفين.
فقد أشرنا في الأبحاث السابقة إلى أنّ معارضي القتال لم يقتصروا على أولئك الذين خدعوا بحيلة عمرو بن العاص في تعليق المصاحف على أسنّة الرماح، بل هناك الفئة الخاوية الإرادة التي لم تكن مستعدة لمواصلة القتال، بالإضافة إلى المنافقين ومبغضي الإمام الذين رأوا الفرصة مؤاتية للاصطياد في الماء العكر، فاتحدوا جميعاً وأصروا على الإمام بإيقاف القتال.
قال ابن أبي الحديد: فأرسل إلى الأشتر يأمره بالرجوع وترك الحرب، فأبى عليه فقال: كيف أرجع وقد لاحت إمارات الظفر! فقولوا له: «ليمهلني ساعة واحدة»، ولم