نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٣ - تأمّل التضحية بالفرصة الكبرى
يكن علم صورة الحال كيف قد وقعت، فلما عاد إليه الرسول بذلك، غضبوا ونفروا وشغبوا، وقالوا: أنفذت إلى الأشتر سرّاً وباطناً، تأمره بالتصميم، وتنهاه عن الكفّ، وإن لم تعده الساعة، قتلناك كما قتلنا عثمان، فرجعت الرسل إلى الأشتر فقالوا له:
أتحبّ أن تظفر بمكانك وأمير المؤمنين قد سُلّ عليه خمسون ألف سيف! فقال: ما الخبر؟ قالوا: إن الجيش بأسره قد أحدق به، وهو قاعد بينهم على الأرض، تحته نطع، وهو مطرق، والبارقة تلمع على رأسه، يقولون: لئن لم تعد الأشتر قتلناك! قال:
ويحكم! فما سبب ذلك؟ قالوا: رفع المصاحف، قال: واللَّه لقد ظننت حين رأيتها رفعت أنّها ستوقع فرقة وفتنة.
ثم كرّ راجعاً على عقبيه، فوجد أميرالمؤمنين عليه السلام تحت الخطر، قد جعله أصحابه بين أمرين: إمّا أن يسلموه إلى معاوية، أو يقتلوه، ولا ناصر له منهم إلّاولداه وابن عمه ونفر قليل لا يبلغون عشرة، فلما رآهم الأشتر سبّهم وشتمهم، وقال: ويحكم! أبعد الظفر والنصر صبّ عليكم الخذلان والفرقة! يا ضعاف الأحلام! يا أشباه النساء! يا سفهاء العقول! فشتموه وسبّوه، وقهروه.
وقالوا: المصاحف المصاحف! والرجوع إليها، لا نرى غير ذلك! فأجاب أميرالمؤمنين عليه السلام إلى التحكيم، دفعاً للمحذور الأعظم بارتكاب المحظور الأضعف، فلذلك قال: «كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً ...» [١].
تفيد بعض القرائن والشواهد أنّ رفع المصاحف على الرماح كانت من صنع المنافقين وبعض الأفراد في جيش أميرالمؤمنين علي عليه السلام وطائفة من أهل الشام بقيادة عمرو بن العاص والأشعث بن قيس، الذين لايبغون انتصار الإمام عليه السلام [٢].
أوردنا بحثاً مطولًا بشأن التحكيم والذي يعتبر مكملًا لهذا البحث فمن أراد المزيد فليراجع ذيل الخطبة ٣٥، الجزء الثاني، الصفحة ٣٦٤.
[١]. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١١، ص ٣٠ و ٣١.
[٢]. انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ٢، ص ٢١٤.