نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٨ - الشرح والتفسير المعبر الذي لا مفر منه
حيث أشار عليه السلام في هذه العبارات الموجزة إلى أمر مهم: لديكم خمس فرص ما دمتم في الدنيا: أعمالكم الصالحة ترفع إلى اللَّه ويسعكم أن تغسلوا المعاصي بماء التوبة. ودعاؤكم يسمع عند اللَّه وأنتم وادعون فيمكنكم الإتيان بما تشاؤون من العمل الصالح وأخيراً الملائكة مستنفرون ليكتبوا صالح أعمالكم في صحيفة أعمالكم، لكن إن مرت هذه الفرصة وكنتم على أعتاب الموت ستسلبون هذه الفرص وليس لكم من زاد سوى الحزن والحسرة.
ثم قال عليه السلام موضحاً كلامه ومكمله: «وَبَادِرُوا بِالْاعْمَالِ عُمُراً نَاكِساً [١]، أَوْ مَرَضاً حَابِساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً [٢]».
فالواقع أنّ الإمام عليه السلام شجّع جميع مخاطبيه للسبق في هذه الأمور الثلاثة؛ مدّة الكهولة التي تفقد فيها جميع الأعضاء قوّتها وقدرتها والتي أسماها القرآن الكريم «أرذل العمر» والأمراض التي تطول أحياناً وتسلب الإنسان نشاطه وحيويته فلا يقدر على الإتيان بالعبادات بصورة تامة ولا خدمة المؤمنين وقضاء حوائجهم، والموت الذي شبّهه عليه السلام بالسارق الذي يسرق كلّ شيء من الإنسان خلسة.
ثم وضع حقيقة الموت من خلال ذكره لستّ من خصائصه، الموت الذي لا مهرب منه ولا مفر لأحد من ملاقاته فقال: «فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ [٣]. زَائِرٌ غَيْرُ مَحْبُوب، وَقِرْنٌ [٤] غَيْرُ مَغْلُوب، وَوَاتِرٌ [٥] غَيْرُ مَطْلُوب».
[١]. «ناكس» من مادة «نكس» على وزن «حدس» قلب الشيء.
[٢]. «خالس» الخاطف من مادة «خلس» على وزن «فلس» خطف الشيء بالحيلة والاختلاس بهذا المعنى.
[٣]. «طيّات» جمع «طيّة» الجانب والجهة والهدف. من مادة «طيّ» على وزن «حيّ» الجمع والترتيب وتستعمل أحياناً بمعنى العبور وطي الطريق.
[٤]. «قرن» الكفؤ في الشجاعة.
[٥]. «واتر» الجاني من مادة «وتر» على وزن «سفر» رامي السهم.