نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٧ - الشرح والتفسير أحاديث الناسخ والمنسوخ
مسألة النسخ من المسائل الإسلاميّة التي حصلت بصيغة محدودة في أصل نزول القرآن، أي أنّه نزل حكماً لزمان معين ثم أزيل ليحلّ محلّه حكم دائم، مثلًا، أمر المسلمون بادئ الأمر بالتوّجه إلى بيت المقدس في الصلاة واستمر هذا الأمر مدّة في مكة ثم المدينة وقد نسخ هذا الحكم لعله ربّما لأنّ الكعبة تحولت آنذاك إلى معبد للأصنام، ولكن حين رسخ النّبي دعائم التوحيد أُمر المسلمون في السنة الثانية للهجرة بالتوجه إلى الكعبة، وورد هذا المعنى في الأحاديث النبوية فكان النّبي يبيّن حكماً هو في الواقع مؤقت ولكن لم يبيّن زمانه ثم ينسخ ذلك الحكم بحكم دائمي، على سبيل المثال قال النبيّ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلاث؛ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيارَةِ الْقُبُورِ، ألا فَزُورُوها، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ إخْراجِ اللُّحُومِ الأضاحي مِنْ مِنى بَعْدَ ثَلاث ألا فَكُلُوا وَادَّخِرُوا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبيذِ ألا فَانْبُذُوا وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرام» [١].
وعليه يسع نقل الأحاديث الصحيحة للنبي لمن له إحاطة تامة بكلّ الأحاديث فيعرف الناسخ والمنسوخ ويضع كلًا في محله، وموضوع العام والخاص كذلك حيث يقال أحياناً، حكم عام يشمل جميع الأفراد، مثلًا، قوله صلى الله عليه و آله: «النّاسُ مُسَلَّطُونَ عَلى أَمْوالِهِمْ» [٢].
ثم يقول في موضع آخر: «لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ في الْاسْلامِ» [٣].
فمن سمع الحكم العام ولم يعلم الخاص يبلغه الآخرين بما يناقض الحكم الخاص، بينما يعلم بعدم التناقض كلّ من سمعهما معاً، ثم قال عليه السلام: «فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ».
ومن هنا فإنّ بعض اختلاف الأحاديث ناشىء من عدم الإحاطة بروايات الناسخ والمنسوخ دون سوء نيّة من الرواة.
[١]. المراد من النبيذ الحلال أنّ المسلمين لما دخلوا المدينة أصيب البعض لبرودة الماء فأمر النّبي أن يلقى في الظرف تمر لتزول برودة الماء ولم يكن بالمقدار الذي يحيله خمراً ومن هنا قال في ذيل الرواية: «وكل مسكر حرام».
[٢]. وسائل الشيعة، ج ١٠، باب ٤١ من أبواب الذبح، ح ٧.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢٧٢، ح ٧.