نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٥ - الشرح والتفسير قبسات من صفات اللَّه ورسوله
محدود في إحاطته العلميّة.
وهنا يرد هذا السؤال: لم يركز الإمام عليه السلام في عدّة خطب على هذه المضامين ويؤكد عليها ويصر على غنى علم اللَّه عن الأمور المذكورة، ما سرّ هذا التأكيد؟
نقول في الجواب: إنّ إحدى أعظم المشاكل في معرفة اللَّه، قضية مقايسته بالمخلوقات، كونه يتعامل طيلة حياته معها فيقيس بها كلّ شيء، المخلوقات المحدودة من جميع الجوانب، العلم والقدرة والزمان والمكان والإدراك والشهود والتقلب والزوال، فإذا دار الكلام عن معرفة اللَّه استعان- عالماً أو جاهلًا- بذلك القياس فيهوي في وادي التشبيه الخطير.
ومن هنا فإنّ هذا المعلم الرباني يحذر كراراً من الانزلاق إلى الهاوية والمقايسة بين اللَّه وأيّ من مخلوقاته التي تبعد عن معرفة اللَّه وتخلق لديه أوهاماً يتعبد بها.
والحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام: «كُلُّ ما مَيَّزْتُمُوه بأوْهامِكُمْ في أدَقِّ مَعانيهِ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مِثْلُكُمْ مَرْدُودٌ إلَيْكُمْ» [١]. إشارة رائعة لهذا المطلب.
ولذلك كان الأئمّة عليهم السلام دائمي المراقبة لصحبهم وأتباعهم حذراً من السقوط في مستنقع التشبيه أو التعطيل، في حين سقط فيه العديد ممن لم يسِر على نهجهم ويتبعهم، ومن نماذج هذا الانحراف الخطير، الإيمان بتجسم اللَّه وتشبيهه بمخلوقاته والاعتقاد بإمكانية رؤيته ومشاهدته الحسية في الدنيا أو على الأقل في الآخرة والتي يلتزم بها الأعم الأغلب.
وأورد الإمام عليه السلام كلمات قصيرة عظيمة المعنى بشأن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله.
في القسم الآخر من هذه الخطبة الذي ذكره السيد الرضي تحت عنوان «وَمِنْها في ذِكْرِ النَّبِي صلى الله عليه و آله» فبيّن عليه السلام سبعاً من صفات النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله التي تشير إلى رفعة مقامه وسعة إصلاحاته في المجتمع الإسلامي فقال: «أَرْسَلَهُ بِالضِّيَاءِ، وَقَدَّمَهُ فِي
[١]. بحار الأنوار، ج ٦٦، ص ٢٩٣.