الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٩ - التّفسير
ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً، وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [١].
لكنّ اللّه يحذّر أمثال هؤلاء بقوله تعالى: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ.
«العذاب الغليظ» هو العذاب الشديد المتراكم.
نفس هذا المعنى لاحظناه في مكان آخر من القرآن، في قوله تعالى في الآية (١٠) من سورة هود: وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ.
الآية التي بعدها تذكر حالة ثالثة لمثل هؤلاء، هي حالة النسيان عند النعمة و فزع و الجزع عند المصيبة.
يقول تعالى: وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى بِجانِبِهِ أما: وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ.
«نآ» من «نأي» على وزن «رأي» و تعني الابتعاد، و عند ما تقترن مع كلمة «بجانبه» فتكون كناية عن التكبر و الغرور، لأنّ المتكبرين ينأون بوجوههم دون اهتمام و يبتعدون.
«العريض» مقابل الطويل، و يستخدم العرب هاتين الكلمتين للدلالة على الزيادة و الكثرة.
و في الاية (١٢) من سورة يونس نرى معاني شبيهة لما نحن بصدده، حيث يقول تعالى: وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
إنّ الإنسان الذي يفتقد الإيمان و التقوى يكون عرضة لمثل هذه الحالات، فهو مع إقبال النعم مغرور ناس للّه، و إذا أدبرت عنه قنوط يائس كثير الجزع.
و في الجانب المقابل نرى أنّ رجال الحق و أتباع الأنبياء و الرسل لا يتغيرون
[١]- الكهف، الآيات، ٣٥- ٣٧.