الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠ - عباد اللّه الحقيقيون
و الهداية الباطنية عن طريق النور الإلهي و الإمداد الغيبي، و هاتان مفخرتان كبيرتان للباحثين وراء الحقيقة ذوي التفكير الحرّ.
و لكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يرغب- بشدّة- في هداية المشركين و الضالين، و كان يتألّم كثيرا لانحراف أولئك الذين لم يعطوا آذانا صاغبة للحقائق، فأنّ الآية التالية عمدت الى مواساته بعد أن وضحت له حقيقة أنّ عالمنا هذا هو عالم الحرية و الامتحان، و مجموعة من الناس- في نهاية الأمر- يجب أن تدخل جهنم، إذ قالت: أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ [١].
عبارة حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ إشارة إلى آيات مشابهة، كالآية (٨٥) من سورة ص التي تقول بشأن الشياطين و أتباعهم: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
و من البديهي أنّ حتمية تعذيب هذه المجموعة لا تحمل أيّ طابع إجباري، بل إنّهم يعذبون بسبب الأعمال التي ارتكبوها، و نتيجة إصرارهم على ارتكاب الظلم و الذنب و الفساد، بشكل يوضح أنّ روح الإيمان و التعقل كانت ميّتة في أعماقهم، و أنّ وجودهم كان قطعة من جهنم لا أكثر.
من هنا يتبيّن أنّ قوله تعالى: أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ هو إشارة إلى حقيقة أنّ كونهم من أصحاب النّار يعد أمرا مسلما به و كأنّهم الآن هم في قلب جهنم، حتّى أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي هو (رحمة للعالمين) لا يستطيع إنقاذهم من العذاب، لأنّهم قطعوا كافّة طرق الاتصال باللّه سبحانه و تعالى و لم يبقوا أيّ سبيل لنجاتهم.
و لبعث السرور في قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لزيادة الأمل في قلوب المؤمنين،
[١]- في الحقيقة، إنّ الآية تحوي جملة محذوفة تدل عليها الجملة التي تلتها، و تقديرها (أ فأنت تخلصه) إذ يصبح تقدير الجملة كالتالي (أ فمن حق عليه كلمة العذاب أ فأنت تخلصه (بقرينة الجملة التالية) أ فأنت تنقذ من في النّار) و قال البعض الآخر: إن تقدير الآية هو كالتالي (أ فمن حقت عليه كلمة العذاب ينجو منه).