الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٣ - فاستقم كما أمرت!
الاستقامة يجب أن تكون من حيث الكمية و الكيفية و الزمن و الخصوصيات الأخرى مطابقة للقانون الإلهي.
و بما أن أهواء الناس تعتبر من الموانع الكبيرة في هذا الطريق، لذا تقول الآية في ثالث أمر لها: وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ، لأن كلّ مجموعة ستدعوك إلى أهوائها و مصالحها الشخصية، تلك الدعوة التي يكون مصيرها الفرقة و الاختلاف و النفاق، فعليك القضاء على هذه الأهواء، و جمع الكل في ظل الدين الإلهي الواحد.
و بما أن لكل دعوة نقطة بداية، لذا فإن نقطة البداية هي شخص الرّسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، حيث تقول الآية في رابع أمر لها: وَ قُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ. فأنا لا أفرّق بين الكتب السماوية، اعترف بها جميعا، و كلها تدعو إلى التوحيد و المعارف الدينية الطاهرة و التقوى و الحق و العدالة، و في الحقيقة فإن ديني جامع لها و مكملها.
فأنا لست مثل أهل الكتاب حيث يقوم كلّ واحد بإلغاء الآخرين، فاليهود يلغون المسيحيين، و المسيحيون يلغون اليهود، و حتى أن أتباع كلّ دين أيضا يقبلون ما يتلاءم مع حاجاتهم و رغباتهم من كتبهم الدينية، فانا أقبل بالكل لأن الكل له أصول أساسية واحدة.
و بما أن رعاية (أصل العدالة) ضروري لإيجاد الوحدة، لذا فإن الآية تطرح ذلك في خامس أمر لها فتقول: وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، سواء في القضاء و الحكم، أو في الحقوق الاجتماعية و القضايا الأخرى [١].
و بهذا الشكل فإنّ الآية التي نبحثها مؤلفة من خمس تعليمات مهمّة، حيث تبدأ من أصل الدعوة، ثمّ تطرح وسيلة انتشارها- يعني الاستقامة- ثمّ تشير إلى الموانع في الطريق «كعبادة الأهواء» ثمّ تبين نقطة البداية التي تبدأ من النفس، و أخيرا الهدف النهائي و الذي هو توسيع و تعميم العدالة.
[١]- بعض المفسّرين حدّد (العدالة) هنا بالقضاء، في حين أنّه لا توجد قرينة على هذه المحدودية في الآية.