الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٣ - السّجدة للّه تعالى
الآفاق [١]: وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ فالليل و ظلمته للراحة، و النهار وضوءه للحركة.
و هذان التوأمان يقومان بإدارة عجلة حياة الناس بشكل متناوب و منظم، بحيث لو كان أحدهما دائميا أو استمر لمدة أطول، فستصاب جميع الكائنات بالفناء، لذا فإنّ الحياة تنعدم على سطح القمر حيث تعادل لياليه (١٥) ليلة أرضية و نهاره بهذا المقدار أيضا.
إنّ لياليه المظلمة الباردة تجعل كلّ شيء جامدا، أمّا نهاره الطويل الحار فإنّه يحرق كلّ شيء، لذلك لا يستطيع الإنسان و كائنات أرضنا أن تعيش على القمر.
أمّا الشمس فهي مصدر كلّ البركات المادية في منظومتنا، فالضوء و الحرارة و الحركة و نزول المطر، و نمو النباتات و نضج الفواكه، و حتى ألوان الورود الجميلة، كل ذلك يدين في وجوده إلى الشمس.
القمر يقوم بدوره بإضاءة الليالي المظلمة، وضوءه دليل السائرين في دروب الصحراء، و هو يجلب الخيرات بتأثيره على مياه البحار و حدوث الجزر و المد فيه.
و لعلّ البعض قام بالسجود لهذين الكوكبين السماويين و بعبادتهما بسبب الخيرات و البركات الآنفة الذكر، فتاهوا في عالم الأسباب، و لم يستطيعوا الوصول إلى مسبّب الأسباب.
و لذلك نرى القرآن بعد هذا البيان يقول مباشرة: لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [٢].
فما ذا لا تتوجهوا بالسجود و العبادة إلى خالق الشمس و القمر؟
[١]- ينبغي الالتفات إلى أنّ السجدة هنا واجبة في حال سماع الآية أو تلاوتها.
[٢]- يرجع ضمير التأنيث في (خلقهن) إلى الليل و النهار و الشمس و القمر كما يقول علماء اللغة و أصحاب التّفسير، إذ أنّ ضمير جمع المؤنث العاقل قد يعود أحيانا إلى جمع غير العاقل كما يقال مثلا (الأقلام بريتهنّ) و البعض يعتقد أنّ الضمير هنا يرجع للآيات التي هي جمع مؤنث لغير العاقل.
و احتمل البعض أن الضمير يعود على الشمس و القمر فقط باعتبار آنها جنس تشمل جميع الكواكب و كأنّها تتمتع بعقل و شعور.