الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٩ - محرفوا آيات الحق
مخاطبة أهل النّار كدليل على عدم امتلاكهم الخيار في أمرهم، بينما يستخدم كلمة «يأتي» في مخاطبة أهل الجنّة، كدليل على احترامهم و حريتهم و إرادتهم في اختيار الأمن و الهدوء.
و فوق كلّ هذا فقد استخدمت الآية تعبير الأمان من العذاب كناية عن الجنّة، بينما استخدمت نار جهنم بشكل مباشر، و في ذلك إشارة إلى أنّ أهم قضية في ذلك اليوم هي «الأمن».
و عند ما ييأس الإنسان من هداية شخص يخاطبه بقوله: افعل ما شئت. لذا فالآية تقول لأمثال هؤلاء: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.
لكن عليكم أن تعلموا: إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
لكن هذا الأمر لا يعني أنّ لهم الحرية في أن يعملوا ما يشاءون، أو أن يتصرفوا بما يرغبون، بل هو تهديد لهم بأنّهم لا يصغون لكلام الحق، إنّه تهديد يتضمّن توعّد هؤلاء و الصبر على أعمالهم إلى حين.
الآية التي بعدها تتحول من الحديث عن التوحيد و المعاد إلى القرآن و النبوّة، و تحذّر الكفار المعاندين بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ [١].
إنّ إطلاق وصف «الذكر» على القرآن يستهدف تذكير الإنسان و إيقاظه، و شرح و تفصيل الحقائق له بشكل إجمالي عن طريق فطرته، و قد ورد نظير ذلك في الآية (٩) من سورة «الحجر» في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
ثمّ تنعطف الآية لبيان عظمة القران فتقول: وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ.
إنّه كتاب لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله أو أن يتغلب عليه، و منطقه عظيم
[١]- لقد ذكر المفسّرون عدّة احتمالات حول خبر «إنّ الذين» أنسبها أن تقول بأنّ الخبر هو جملة (لا يخفون علينا) حيث حذف بقرينة الآية السابقة. و قال البعض: إنّ الخبر هو جملة «يلقون في النّار» المستفادة من الآية السابقة، بينما قال البعض بأنّه جملة «أولئك ينادون من مكان بعيد» التي ترد في الآيات القادمة، لكن الرأي الأوّل أرجح.