الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٠ - محرفوا آيات الحق
و استدلاله قوي، و تعبيره بليغ منسجم و عميق، تعليماته جذرية، و أحكامه متناسقة متوافقة مع الاحتياجات الواقعية للبشر في أبعاد الحياة المختلفة.
ثم تذكر الآية صفة اخرى مهمّة حول عظمة القرآن و حيويته، فيقول تعالى:
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ لأنّه: تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
أفعال اللّه عز و جل لا تكون إلّا وفق الحكمة و في غاية الكمال. لهذا فهو أهل للحمد دون غيره.
لقد ذكر المفسّرون عدّة احتمالات حول قوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ ... إلّا أن أشملها هو أنّ أي باطل لا يأتيه، من أي طريق كان، و مهما كان الأسلوب، و هذا يعني عدم وجود تناقض في مفاهيمه، و لا ينقض بشيء من العلوم، أو بحقائق الكتب السابقة، و لا يعارض كذلك بالاكتشافات العلمية المستقبلية.
لا يستطيع أحد أن يبطل حقائقه، و لا يمكن أن ينسخ في المستقبلية.
لا يوجد أي تعارض في معارفه و قوانينه و وصاياه و أخباره، و لا يكون ذلك في المستقبل أيضا.
لم تصل إليه يد التحريف بزيادة أو نقص في آية أو كلمة، و لن يطاله ذلك مستقبلا.
إنّ هذه الآية تعبير آخر لمضمون الآية (٩) من سورة «الحجر» حيث قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [١].
و من خلال ما قلناه نستنتج أن قوله تعالى: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ كناية عن جميع الجوانب و الجهات، بمعنى أنه لن يصيبه البطلان أو الفساد من جميع الأوجه و الجوانب، و ما ذهب إليه البعض من أن ذلك كناية للحال و المستقبل، فان
[١]- لقد اختيار هذا التّفسير الزمخشري في كشافه، و للعلّامة الطباطبائي حديث يشبه هذا في تفسير الميزان، في حين حدّد بعض المفسّرين مصطلح الباطل بالشيطان أو المحرفين، أو الكذب، و ما شابه، و قد ورد في حديث عن الباقر و الصادق قولهما عليهما السلام: «إنّه ليس في أخباره عما مضى باطل، و لا في أخباره عمّا يكون في المستقبل باطل» كما نقل عنهما عليهما السلام صاحب مجمع البيان، و واضح أن ما ذكر هو مصاديق لمفهوم الآية.