الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨ - عباد اللّه الحقيقيون
أنواع البشرى بالنعم الإلهية المادية و المعنوية، و هذه البشرى بمعناها الواسع تختص فقط بالذين اجتنبوا عبادة الطاغوت و عمدوا إلى عبادة اللّه وحده من خلال إيمانهم به و عملهم الصالح.
و كلمة «طاغوت» من مادة (الطغيان) تعني الاعتداء و تجاوز الحدود، و لذا فإنّها تطلق على كلّ متعدّ، و على كلّ معبود من دون اللّه، كالشيطان و الحكام المتجبرين (و تستعمل هذه الكلمة للمفرد و الجمع) [١].
فعبارة اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ بمعناها الواسع تعني الابتعاد عن كلّ أشكال الشرك و عبادة الأصنام و هو النفس و الشيطان، و تجنب الانصياع و الاستسلام للحكام المتجبرين الطغاة.
أمّا عبارة أَنابُوا إِلَى اللَّهِ فإنّها تجمع روح التقوى و الزهد و الإيمان، و أمثال هؤلاء يستحقون البشرى.
و يجب الالتفات إلى أنّ عبادة الطاغوت لا تعني فقط الركوع و السجود له، و إنّما تشمل كلّ طاعة له، كما
ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السّلام «من أطاع جبارا فقد عبده» [٢].
ثم تعرج الآية على تعريف العباد الخاصّين فتقول: فَبَشِّرْ عِبادِ [٣] الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ.
الآيتان المذكورتان بمثابة شعار إسلامي، و قد بيّنتان حرية الفكر عند المسلمين، و حرية الإختيار في مختلف الأمور.
[١]- بعض المفسّرين، و منهم الزمخشري صاحب الكشّاف يعتقدون أنّ أصل كلمة (طاغوت) هو (طغوت) على وزن (فعلوت) (كملكوت)، ثمّ تقدمت لام الفعل على عين الفعل و أصبحت (طغوت)، و بعد إبدال الواو بالألف أصبحت (طاغوت) و يستدل صاحب الكشّاف على هذا الكلام من عدّة مصادر (تفسير الكشاف ج ٤ ص ١٢٠).
[٢]- مجمع البيان، الجزء السابع، الصفحة ٤٩٣، ذيل آية البحث.
[٣]- (عباد) كانت في الأصل (عبادي) و قد حذفت الياء و عوض عنها بالكسرة.