الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٨ - التّفسير
الثّاني هو اليأس من الرحمة [١].
و لكن الذي نستفيد، من الاستخدام القرآني أنى الاثنين يستخدمان تقريبا للدلالة على معنى واحد، فنقرأ في قصة يوسف- مثلا- أنّ يعقوب عليه السّلام حذّر أبناءه من اليأس من رحمة اللّه، في حين كانت قلوبهم يائسة من العثور على يوسف، و كانوا أيضا يظهرون علامات اليأس. [٢].
و في حالة إبراهيم عليه السّلام نرى أنّه عجب من البشارة التي زفتها إليه الملائكة بالولد، لكن الملائكة قالت له: بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ [٣].
الآية التالية تشير إلى صفة اخرى من صفات الإنسان الجاهل البعيد عن العمل و الإيمان متمثلة بالغرور: وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي [٤] أي إنّني مستحق و لائق لمثل هذه المواهب و المقام.
إنّ الإنسان المغرور ينسى أنّ البلاء كان من الممكن أن يشمله عوضا عن النعمة، تماما كما قال قارون: قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [٥].
تضيف الآية بعد ذلك أنّ هذا الغرور يقود الإنسان في النهاية إلى إنكار الآخرة حيث يقول: وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً. و لنفرض أنّ هناك قيامة فإنّ حالي سيكون أحسن من هذا: وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى.
إنّ هذه الحالة تشابه ما استمعنا إليه في سورة الكهف من قصة الرجلين الذين كان أحدهما غنيا مغرورا، و الثّاني عارفا مؤمنا، حيث حكت الآية على لسان الثري المغرور قوله:
[١]- مجمع البيان، المجلد ٩، صفحة ١٨.
[٢]- يوسف، الآية ٨٧ فما فوق.
[٣]- الحجر- ٥٥.
[٤]- ذهب بعض المفسرين للقول بأن جملة «هذا لي» تعني أن هذه النعمة ستبقى دائما لي، أي إنها في الحقيقة توضح دوام ذلك، إلا أن التفسير الذي عرضناه أعلاه أنسب بالرغم من إمكان الجمع بين الإثنين، أي إنهم يعتبرون أنفسهم مستحقين للنعم، و يتصورونها دائمة لهم أيضا.
[٥]- القصص، الآية ٧٨.