الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٥ - علائم الحق في العالم الكبير و الصغير
يتحكم بالمخ و حركات القلب المنتظمة و الشرايين و العظام و الخلايا، و انعقاد النطفة و نمو الجنين في ظلمات الرحم. ثمّ أسرار الروح العجيبة. إنّ كلّ ذلك هي كتاب مفتوح لمعرفة الإله الخالق العظيم.
صحيح أنّ هذه الآيات قد طرقت سابقا بمقدار كاف من قبل اللّه تعالى، إلّا أنّ هذه العملية و الإراءة مستمرة، لأنّ (سنريهم) فعل مضارع يدل على الاستمرار، و إذا عاش الإنسان مئات الآلاف من السنين، فسوف تنكشف له في كلّ زمان علامات و آيات إلهية جديدة، لأنّ أسرار العالم لا تنتهي.
إنّ كافة كتب و بحوث العلوم الطبيعية و ما يتصل بمعرفة الإنسان في أبعاده المختلفة (التشريح، فسلجة الأعضاء، علم النفس، و التحليل النفسي) و كذلك العلوم التي تختص بمعرفة النباتات و الحيوانات و الهيئة و الطبيعة و غير ذلك، تعتبر في الواقع كتبا و بحوثا في التوحيد و معرفة الخالق (جلّ و علا) لأنّها عادة ما ترفع الحجب عن الأسرار العجيبة لتبيّن قدرا من حكمة الخالق العظيم، و قدرته الأزلية، و علمه الذي أحاط بكل شيء.
أحيانا يستحوذ علم واحد من هذه العلوم، بل فرع من فروعه المتعدّدة على اهتمام عالم من العلماء فيصرف عمره في سبيله، و في النهاية يقرّر قائلا: مع الأسف لا زلت لا أعرف شيئا عن هذا الموضوع، و ما علمته لحد الآن تجعلني أغوص أكثر في أعماق جهلي، نعود الآن إلى الآية التي تنتهي بجملة ذات مغزى حيث يقول تعالى: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [١].
و هل هناك شهادة أفضل و أعظم من هذه التي كتبت بخط القدرة التكوينية على ناصية جميع الكائنات، على أوراق الشجر، في الأوراد و الزهور، و بين
[١]- ذهب الكثير من المفسّرين إلى أنّ «الباء» زائدة و «ربك» تقوم مقام الفاعل. و جملة «أنّه على كلّ شيء شهيد» «بدل» ذلك، و المعنى يكون هكذا: «أولم يكفهم أن ربّك على كلّ شيء شهيد».