الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠ - الخطوط الرئيسة لمناهج العباد المخلصين
هذه الآية- في الحقيقة- ردّ على ذوي الإرادة الضعيفة و المتذرعين بمختلف الذرائع الذين يقولون: إنّنا عاجزون عن أداء الأحكام الإلهية لأنّنا في أرض مكّة التي يحكمها المشركون، و القرآن يردّ عليهم بأن أرض اللّه لا تقتصر على مكّة، فإن لم تتمكنوا من أداء فرائضكم في مكّة فالمدينة موجودة، بل إن الأرض كلها للّه، هاجروا من المواطن الملوثة بالشرك و الكفر و الظلم التي لا يمكنكم فيها أداء الأحكام الإلهية بحرية إلى آخر.
مسألة الهجرة هي إحدى أهم المسائل التي لم تلعب دورا أساسيا في صدر الإسلام بانتصار الحكومة الإسلامية فحسب، بل إنّ لها أهمية في كلّ زمان، لأنّها من جهة تمنع مجموعة من المؤمنين أن يستسلموا لضغط و كبت محيطهم، و من جهة اخرى تكون عاملان مساعدا لتصدير الإسلام إلى نقاط مختلفة في أنحاء العالم.
و القرآن المجيد يقول: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً [١].
و هذا يوضح- بصورة جيدة- أنّ المؤمن الذي تحيط به الضغوط و الكبت، و يستطيع أن يهاجر في سبيل اللّه عليه أن يهاجر، و إلّا فإنّه غير معذور أمام اللّه.
(بشأن أهمية الهجرة في الإسلام و أبعادها المختلفة كانت لنا بحوث مختلفة و مفصلة في ذيل الآية (١٠٠) من سورة النساء، و في ذيل الآية (٧٢) من سورة الأنفال).
و لأنّ الهجرة ترافقها بصورة طبيعية مشكلات كثيرة في مختلف جوانب الحياة، فالمنهج الرابع إذن يتعلق بالصبر و الاستقامة، قال تعالى:
[١]- النساء، ٩٧.