الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٣ - اللّه سبحانه يتوفى الأنفس
و على أية حال، فإنّ المراد من قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ هو إثبات دلائل قدرة البارئ عزّ و جلّ، و مسألة الخلق، و المعاد، و ضعف و عجز الإنسان مقابل إرادة اللّه عزّ و جلّ.
و بعد ما أصبحت- حاكمية- (اللّه) على وجود الإنسان و تدبير أمره عن طريق نظام الحياة و الموت و النوم و اليقظة، أمرا مسلما من خلال الآيات السابقة، تناولت الآية اللاحقة خطأ اعتقاد المشركين فيما يخص مسألة الشفاعة، كي تثبت لهم أنّ مالك الشفاعة هو مالك حياة و موت الإنسان، و ليس الأصنام الجامدة التي لا شعور لها أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ [١].
و كما هو معروف فإنّ إحدى الأعذار الواهية لعبدة الأوثان بشأن عبادتهم للأوثان، هي ما ورد في مطلع هذه السورة ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [٢]، إذ أنّهم كانوا يعدونها تماثيل و هياكل للملائكة للأرواح المقدسة، و يزعمون أنّ هذه الأحجار و الأخشاب الميتة لها قدرة هائلة.
و لكون الشفاعة تحصل من الشفيع الذي هو، أوّلا: يشعر و يدرك و يفهم، و ثانيا: قدير و مالك و حكيم، فإن تتمة الآية تجيبهم قُلْ أَ وَ لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لا يَعْقِلُونَ [٣].
إذا كنتم تتخذون من الملائكة و الأرواح المقدسة شفعاء لكم، فإنّهم لا يملكون لأنفسهم ضرا و لا نفعا، لأن كلّ ما عندهم هو من اللّه، و إذا كنتم تتخذون من الأصنام المصنوعة من الخشب و الحجارة شفعاء لكم، فإنّهم علاوة على عدم امتلاكهم شيئا لأنفسهم، فهم لا يمتلكون أدنى عقل أو شعور، فاتركوا هذه الأعذار، و عودوا إلى الذي يملك و يحكم كلّ هذا العالم، و إلى من إليه تنتهي كلّ الأمور.
[١]- «أم»: هنا منقطعة و تعني (بل) و لو كانت متصلة، لكان يجب تقدير القسم الثّاني لها، و هذا خلاف الظاهر.
[٢]- الزمر، ٣.
[٣]- عبارة أَ وَ لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً فيها محذوف، و التقدير: (أ يشفعون لكم و لو كانوا لا يملكون شيئا).