الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٣ - أريد أن أطلع إلى إليه موسى!!
و في هذا الإطار يلاحظ بعض المفسّرين أن فرعون خصص لبناء صرحه مساحة واسعة من الأراضي، و وظّف في إقامته خمسين ألفا من العمال و البنائين المهرة، بالإضافة إلى من انشغل بتهيئة وسائل العمل و التمهيد لتنفيذ المشروع، و كلما كان البناء يرتفع أكثر كلّما ازداد تأثيره في الناس، و أخذ يجلب إليه الاهتمام و الأنظار أكثر، إذ أصبح الصرح حديث المجالس، و الخبر الأوّل الذي يتناقله الناس، و في مقابل ذلك يتناسون قضية انتصار موسى عليه السّلام على السحرة- و لو مؤقتا- خصوصا مع الأخذ بنظر الإعتبار ذلك الاهتزاز العنيف الذي ألحق بجهاز فرعون و أساط الناس.
ثانيا: استهدف فرعون من خلال تنفيذ مشروع الصرح اشتغال أكبر قطّاع من الناس، و على الأخص العاطلين منهم، لكي يجد هؤلاء في هذا الشغل عزاء- و لو مؤقتا- عن مظالم فرعون و ينسون جرائمه و ظلمه. و من ناحية ثانية فإنّ اشتغال مثل هذا العدد الكثير يؤدي إلى ارتباطهم بخزانة فرعون و أمواله، و بالتالي ارتباطهم بنظامه و سياساته! ثالثا: لقد كان من خطة فرعون بعد انتهاء بناء الصرح، أن يصعد إلى أعلى نقطة فيه، و يرمق السماء ببصره، أو يرمي سهما نحو السماء، و يرجع الى الناس فيقول لهم: لقد انتهى كلّ شيء بالنسبة لإله موسى. و الآن انصرفوا إلى أعمالكم براحة بال!! أما بالنسبة إلى فرعون نفسه، فقد كان يعلم أنّه حتى لو ارتقى الجبال الشامخات التي تتطاول في علوها على صرحه، فإنّه سوف لن يشاهد أي شيء آخر يفترق عمّا يشاهده و هو يقف على الأرض المستوية يتطلع نحو السماء! و الطريف في الأمر هنا أنّ فرعون بعد قوله: فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى رجع خطوة إلى الوراء فنزل عن يقينه إلى الشك، حيث قال بعد ذلك: وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً إذ استخدم تعبير «أظن»!