الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٧ - ادفع السيئة بالحسنة
و هنا ستزول الأحقاد و العداوات من الداخل و تترك مكانها للحبّ و المودّة.
و من الضروري أن نشير هنا إلى أنّ هذا الأمر لا يمثل قانونا دائما، و إنّما هو صفة غالبة، لأنّ هناك أقلية تحاول أن تسيء الاستفادة من هذا الأسلوب، فما لم ينزل بها ما تستحق من عقاب فإنّها لا تترك أعمالها الخاطئة.
و لكن في نفس الوقت الذي نستخدم العقوبة و الشدة ضدّ هذه الأقلية، علينا أن لا نغفل عن أنّ القانون المتحكم بالأكثرية هو قانون: «ادفع السيئة بالحسنة».
لذلك رأينا أنّ رسول الإسلام صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و القادة من أئمة أهل البيت عليهم السّلام كانوا يستفيدون دائما من هذا الأسلوب القرآني العظيم، ففي فتح مكّة مثلا كان الأعداء- و حتى الأصدقاء- ينتظرون أن تسفك الدماء و تؤخذ الثارات من الكفار و المشركين و المنافقين الذين أذاقوا المؤمنين ألوان الأذى و العذاب في مكّة و خارجها، من هنا رفع بعض قادة الفتح شعار «اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة، اليوم أذلّ اللّه قريشا» لكن ما كان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و تنفيذا لأخلاقية «ادفع السيئة بالحسنة» إلّا أن عفا عن الجميع و أطلق كلمته المشهورة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». ثمّ أمر صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أن يستبدل الشعار الانتقامي بشعار آخر يفيض إحسانا و كرما هو: «اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزّ اللّه قريشا» [١].
لقد أحدث هذا الموقف النبوي الكريم عاصفة في أرض مشركي مكّة حتى أنّه على حدّ وصف كتاب اللّه تعالى بدأوا: يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً [٢].
لكن برغم ذلك، نرى أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم استثنى بعض الأشخاص من العفو العام هذا، كما نقله أصحاب السيرة، لأنّهم كانوا خطرين و لم يستحقوا العفو النبوي الكريم الذي عبّر فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن خلق الإسلام و منطق النّبيين حينما
قال: «لا أقول لكم إلّا كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم و هو
[١]- بحار الأنوار، المجلد ٢١، صفحة ١٠٩.
[٢]- سورة النصر، آية ٢.