الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٧ - ذلكم اللّه ربّكم
قَراراً.
لقد خلق اللّه للإنسان الأرض كي تكون مقرّا هادئا و مستقرا آمنا له إنّه المكان الخالي من المعوقات الصعبة، متناسق في تشكيلته مع تكوين الإنسان الروحي و الجسدي، حيث تتوفر في الأرض المصادر المختلفة للحياة و الوسائل المتنوعة و المجانية التي يحتاجها لمعيشته.
ثم تضيف الآية: وَ السَّماءَ بِناءً أي كالسقف و القبة فوقكم.
و «بناء» كما يقول «ابن منظور» في لسان العرب، تعني البيوت التي كان عرب البادية يستفيدون منها و يستظلون تحتها كالخيم و ما يستظل الإنسان تحته.
إنّه تعبير جميل و دال حيث يصوّر السماء كالخيمة التي تغطي أطراف الأرض و لا تنقص منها شيئا. و المقصود السماء هنا الغلاف الجوي الذي يحيط بالأرض.
إنّ الخيمة الإلهية الكبيرة هذه تقلل من شدّة أشعة الشمس، و عدمها يعرض الأرض إلى الأشعة الكونية الحارقة القاتلة لجميع الكائنات الحية الموجودة على الأرض، لذلك نرى أنّ رواد الفضاء مضطرين لارتداء ملابس خاصة تحميهم من هذه الإشاعات.
إضافة إلى ما تقدم، تمنع الخيمة السماوية سقوط الأحجار التي تنجذب من السماء نحو الأرض، حيث تقوم بإحراقها بمجرّد وصولها إلى غلاف الأرض ليصل رمادها بهدوء الى الأرض.
و إلى هذا المعنى تشير الآية (٣٢) من سورة الأنبياء، حيث يقول تعالى:
وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً.
ثمّ ينتقل الحديث من آيات الآفاق إلى آيات الأنفس، فيقول تعالى:
وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ. القامة متوازنة خالية من الانحراف، وجه في تقاطيع جميلة لطيفة و في منتهى النظم و الاستحكام، إذ يمكن بلمحة واحدة التمييز بين الكائن البشري و بين الموجودات و الكائنات الأخرى.