الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٠ - التّفسير
إذا أقبلت عليهم النعم، و لا يهنون أو ييأسون أن يجزعون عند إدبارها، إنّهم مصداق قوله تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فأربح التجارة لا تنسيهم ربّهم، إنّهم عارفون حق المعرفة بفلسفة النعمة و البلاء في هذه الدنيا، يعلمون أنّ الابتلاءات ناقوس خطر لهم، بينما النعم اختبار و امتحان إلهي لهم.
و من الابتلاء ما يكون أحيانا عقوبة للغفلة و النسيان، و النعم لإثارة دوافع الشكر لدى العباد.
و يلفت النظر هنا طرافة الاستخدام القرآني لكلمتي «أذقنا» و «مسه» و التي تعني أنّهم مع قليل جدا من إقبال الدنيا عليهم يتغيرون و ينسون و يصابون بالغرور، و هؤلاء مع «مسّة» قليلة من ضرر أو بلاء يصابون باليأس و القنوط.
من هنا نقف على قيمة سعة الروح، و تدفق النفس بالإيمان، و اتساع آفاق الفكر، و انشراح الصدر، و استعداد الإنسان لمواجهة المشاكل و الصعاب، و تحدي المزالق و الأهواء، التي تعتبر جميعا من ثمار الإيمان و التقى.
يقول شهيد المحراب الإمام أمير المؤمنين علي عليه السّلام في أحد أدعيته التي تعتبر درسا لأصحابه:
«نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا و إيّاكم ممن لا تبطره نعمة، و لا تقصر به عن طاعة ربّه غاية، و لا تحل به بعد الموت ندامة و كئابة» [١].
الآية الأخيرة تتضمن الخطاب الأخير لهؤلاء، و تبيّن لهم- بوضوح- الأصل العقلي المعروف بدفع الضرر المحتمل، حيث تخاطب النّبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فتقول: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [٢].
و من الواضح أن هذا الكلام إنّما يقال للاشخاص الذين لا ينفع معهم أيّ دليل منطقي لشدّة عنادهم و تعصبهم. فالآية تقول لهؤلاء: إذا كنتم ترفضون حقانية
[١]- نهج البلاغة، الخطبة رقم ٦٤.
[٢]- «أرأيتم» تأتي عادة بمعنى «أخبروني» و تفسّر بنفس المعنى.