الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥٠ - شرح خطبة الكافي
دَعَوْهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوا، ولكن أحلّوا لهم حراماً، وحرّموا عليهم حلالًا، فَعَبَدُوهم من حيث لا يشعرون». [١]
فتلخّص من هذا المجموع أنّ التذلّل والخضوع والإطاعة التي هي تابعة لهما عبادةٌ، فإن كانت للَّهفهي عبادة اللَّه، وكذا إن كانت لغير اللَّه ولكن بأمر اللَّه وإذنه؛ إذ الخضوع والإطاعة من العبد لأحد بأمر السيّد وإذنه للسيّد أوّلًا وبالذات، وإلّا فهي عبادة لغير اللَّه وإشراك؛ إمّا شركاً جليّاً- وهو ما يفعله عبدة الأوثان وعبدة الكواكب وعبدة النيران، والقائلون بأنّ عزير ابن اللَّه، والقائلون بأنّ المسيح ابن اللَّه، وسائر فرق الكفر الظاهر- وإمّا شركاً خفيّاً كالخضوع والإطاعة لغير اللَّه إطاعةَ مخالفةٍ لحكم اللَّه، مجاوزةٍ لإذن اللَّه الشرعي والعقلي، وإن كانت على أصناف، واستحقّ صاحبها بكلّ صنف نوعاً من الذمّ والإهانة الدنيويّة أو الاخرويّة.
وما ينكر أن يجري الشارع على كلّ صنف من أصناف نوعٍ حكماً خاصّاً وإن كان الكلّ مشتركاً في حكم عامّ، والعقل الصحيح أيضاً يحكم بأنّ العبادة بمعنى التذلّل والإطاعة لا ينبغي أن يكون إلّاللَّه؛ لأنّها إمّا لجلب النفع كما هو شأن الاجراء، أو لخوف الضرر كما هو شأن العبيد، أو للأهليّة الذاتيّة كما هو شأن الصدِّيقين، واللَّه تعالى هو وليّ كلّ نعمة كما ورد في تلبية الحجّ: «إنّ الحمد والنِّعمة لك والمُلك، لا شريك لك». [٢]
وفي بعض الأدعية الجليلة: «ما يكون من نعمة فمن اللَّه» [٣] وهو المقتدر على كلّ نقمة، كما قال تعالى: «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» [٤]، فلا ضارّ ولا نافع إلّااللَّه كما ورد في الأدعية الجليلة، وقال عزّ من قائل تعليماً لنبيّه ٦: «قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ
[١]. المصدر، ح ٧.
[٢]. الكافي، ج ٤، ص ٢٤٩، باب حجّ النبيّ ٦، ح ٧؛ و ص ٣٣٥، باب التلبية، ح ٣. وهو متواتر في المصادر الروائيّة.
[٣]. تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري ٧، ص ١٩؛ مصباح المتهجّد، ص ١٥٦؛ المصباح للكفعمي، ص ٩٦.
[٤]. الأنعام (٦): ١٨.