الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٥١ - شرح خطبة الكافي
مَوْلانا» [١].
وثبوت الأهليّة الذاتيّة للَّهتعالى أمرٌ مستغنٍ عن البيان، فلا يستحقّ التذلّل والخضوع والإطاعة والانقياد بالذات إلّاللَّه.
ثمّ إنّ نظرنا في هذا المقام إلى ما يقع من العباد بحسب مشيئة اللَّه العزميّة التي فيها يُطاع ويُعصى، وأمّا بحسب مشيئته الحتميّة فجميع أجزاء العالم بقَضّها وقضيضها [٢] متذلّلٌ خاضعٌ له، مطيعٌ لأمره، وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ اْلأَرْضِ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ. [٣]
وفي خطبة من خطب مولانا أمير المؤمنين ٧: «خضعت له الأشياء، وذلّت مستكينةً لعظمته». [٤]
وفي دعاءٍ احترز به الصادق ٧ عن المنصور اللَّعين، ونقله الكفعمي في كتاب البلد الأمين: «أزمّة الامور كلّها بيدك، صادرةً عن قضائك، مذعنةً بالخضوع لقدرتك» الدعاء. [٥]
ولو قُصد بالعبادة في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» الخضوع الذاتي والتذلّل الطبيعي الذي يعبد اللَّه به كلّ شيء- كما ورد في القنوت: «سبحان من دانت له السماوات والأرض بالعبوديّة» [٦]- كان الغرض في ذكره الإذعانَ بخضوع الأشياء كلّها لقدرته، كما اشير إليه قبلُ في حديث الصادق ٧، فكان كلّ مصلّ صادقاً في ادّعاء قصر عبادته وعبادة عامّة مشاركيه في الوجود.
وإن كان المقصود بها المأمورَ به بالأمر التشريعي، فينبغي أن يكون غرض المصلّي إظهار الإيمان بوجوب القصر والتبرّي من الشرك، كما قال سبحانه: «وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» [٧]، وعلى هذا فتفاضل المصلّين على حسب التخلّي من
[١]. التوبة (٩): ٥١.
[٢]. أي بالكبير والصغير. والقضّ: الحصى الصغار، والقضيض: الحصى الصغار. انظر: لسان العرب، ج ٧، ص ٢٢٢ (قضض).
[٣]. اقتباس من الآية ١٣ من سورة الرعد (١٣) والآية ١٦٣ من سورة البقرة وغيرها.
[٤]. نهج البلاغة، ص ٢٧٢، الخطبة ١٦٨. وفيه: «خضعت الأشياء له».
[٥]. البلد الأمين، ص ٣٨٥؛ مهج الدعوات، ص ١٨١؛ مفتاح الفلاح، ص ١٠٠.
[٦]. الفقيه، ج ١، ص ٣١٥.
[٧]. البيّنة (٩٨): ٥.