الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٨ - شرح خطبة الكافي
فليس بعبادة وإن كان مذموماً على بعض الوجوه.
وهذا المعنى ليس في كتب اللغة المتداولة، ولا هو منقولًا عن النبيّ ٦ وأهل بيته المعصومين :، ولعلّ الدليل على ذلك- كما يومي إليه كلامهم- حكم العقل باختصاص أقصى غاية الخضوع باللَّه، وعدم جريان حكم الإشراك على إيقاع ما عداه من التذلّلات لغير اللَّه، بل عدم مذموميّة بعضها أصلًا، ويتوجّه عليهم أنّه لا يجوز أن تكون العبادة ذات أصناف يجمعها مطلق الخضوع، ولكلّ صنف حكماً خاصّاً إذا اوقع لغير اللَّه- مثل أنّه من خضع للغير أقصى غاية الخضوع- وجب الاجتناب عنه رطباً، ومن تواضع غنيّاً لغناه ذهب ثلثا دينه [١]، ومَنْ أصغى إلى ناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان [٢]، كما ورد في الحديث.
فإن قلت: إنّ إطلاق العبادة على غير أقصى غاية الخضوع مجاز.
قلت: وما يدريك لعلّ ذلك اللفظ من الألفاظ المشكّكة، والتشكيك لا يأبى عن اختلاف الأحكام.
وكون صنف منها وهو أقصى غاية الخضوع عبادةً، لا يقتضي عدم كون ما دون الأقصى عبادةً، والتذلّل لغير اللَّه إن كان بأمر اللَّه وإذنه- كما يُفعل للحجر الأسود والأنبياء والأوصياء والعلماء والصلحاء- فهو تذلّل للَّهوعبادة له، وكذا التذلّل للجبابرة تقيّةً؛ وإن لم يكن بأمر اللَّه وإذنه، فهو عبادة مذمومة على حسب التشديد في المنع الشرعي والعقلي، وقد ورد في الحديث: «أنّ من تواضع غنيّاً لغناه ذهب ثلثا دينه» [٣].
والتذلّل والإطاعة لغير اللَّه بدون إذنه تعالى يعبّر عنه عند العلماء اللبّ بالشرك الخفيّ.
وفي كتاب الحجّة في باب الردّ إلى الإمام عن أبي عبداللَّه ٧: «هيهات هيهات، فات قوم وماتوا قبل أن يهتدوا، وظنّوا أنّهم آمنوا، وأشركوا من حيث لا يعلمون». [٤]
وفي كتاب الإيمان والكفر في باب حبّ الدنيا، في حكاية بلوغ عيسى ٧ قريةً مات أهلها وسؤاله إيّاهم عن سبب هلاكهم أنّه أجابه منهم مُجيبٌ، وقال: «عبادة الطاغوت وحبّ الدُّنيا» وسيق الكلام إلى أن قال ٧: «وكيف كان عبادتكم للطاغوت؟ قال:
[١]. نهج البلاغة، ص ٥٠٨، ضمن الحكمة ٢٢٨؛ بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ١٧٠، ذيل ح ٧.
[٢]. الكافي، ج ٦، ص ٤٣٤، باب الغناء، ح ٢٤؛ عيون أخبار الرضا، ج ١، ص ٣٠٣، ح ٦٣؛ وسائل الشيعة، ج ١٧، ص ٣١٧، ح ٢٢٦٥٤.
[٣]. تقدّم تخريجة قبيل هذا.
[٤]. الكافي، ج ١، ص ١٨١، ضمن ح ٦.