الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٨٦ - باب الاضطرار إلى الحجّة
المصوّبة والمخطّئة الذين يقولون: إنّ الإبهام الداعي إلى الاجتهاد والتظنّي من قبل اللَّه لا من قبل الخلق، فنحن مضطّرون إلى الاجتهاد المستلزم للاختلاف من جهة الظَّلَمة لا من جهة اللَّه، وهم على زعمهم الفاسد مأمورون بالاجتهاد، بل بالاختلاف؛ لأنّ الأمر بالملزوم أمرٌ باللازم، فهم مصداق ما أخبر اللَّه تعالى بقوله: «وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ». [١]
ومَثَلنا مثل قطيع من الغنم وكلّ عليها مولاها راعياً بصيراً ذا معرفة بالمشرع والمرعى، فحبسه ظالم و منعه عن القيام بأمر القطيع، ثمّ إنّا وإن انقطعنا عن راعينا إلّاأنّا منتظرون لإنجاز ما وعد اللَّه- تبارك و تعالى- أئمّتنا : بقوله: «وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ» [٢] ووعد شيعتهم المؤمنين بقوله: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً» [٣]، ومثلهم كمثل عدّة شاة من القطيع أفلتت الراعي وأخذت تعدو في الصحاري حيارى، لاتهتدي إلى ماءٍ ولامرعى حتّى انتظمت عمّا قليل في زمر الهالكين والصرعى.
وليكن ختام الكلام بما قلت في مرثيتي للحسين ٧ نظماً ونثراً، وكأنّي بمولانا القائم ٧ وقد سلّ سيف الانتقام من غمده، وأمر بإحضار يزيد اللعين وجُنده، فحمل عليهم حملاتٍ، وقطّعهم قطعاتٍ، ذلك جزاؤهم في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى، ثمّ رخّص لأنصار اللَّه قتل سائر النواصب، فحملوا عليهم بالرماح الشواجر، والسيوف القواضب، كأنّ أكَمَةً من الحطام جرى عليها السيل، أو أنوار الصبح هَجَمَت بغتةً على ظلام الليل، أو كان اللَّه تعالى أرسل على أصحاب الفيل: «طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» [٤] (نظم):
[١]. الأعراف (٧): ٢٨.
[٢]. القصص (٢٨): ٥.
[٣]. النور (٢٤): ٥٥.
[٤]. الفيل (١٠٥): ٣- ٥.