الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٨٤ - باب الاضطرار إلى الحجّة
ومن كلام أميرالمؤمنين ٧ في نهج البلاغة في ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا: «يرد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره، فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم، فيصوّب آرائهم جميعاً، وإلههم واحدٌ، ونبيّهم واحدٌ، و كتابهم واحدٌ؛ أفرأى أمرهم [١] اللَّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل اللَّه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟ أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟ أم أنزل اللَّه ديناً تامّاً فقصّر الرسول ٦ عن تبليغه وأدائه، واللَّه سبحانه يقول: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» [٢] وفيه تبيان كلّ شيء، وذكر أنّ الكتاب يُصدّق بعضه بعضاً، وأنّه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه: «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» [٣]، وأنّ القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق؛ لاتُفنى عجائبه، ولاتنقضي غرائبه، ولاتُكشف الظلمات إلّابه». [٤]
ولعلّك تقول: هو ذا فقهاؤنا- (رضوان اللَّه عليهم)- مع كمال التقوى والديانة قد اختلفوا في الفتاوى، فما الوجه في ذلك؟ فاعلم أنّه قد سبق أنّ اللَّه أنزل جميع الواقعات الحادثة إلى يوم القيامة على نبيّه ٦، وهو استودعها وصيّه وخليفته أميرالمؤمنين ٧، و هكذا توارث الأوصياء : واحداً بعد واحد إلى أن انتهى الأمر إلى الحجّة الخلف المنتظر وليّ الأمر وصاحب العصر، (صلوات اللَّه وسلامه عليه و على آبائه الطاهرين).
ولو قلّدوا الموصى إليه امورها* * * لَزُمّت بمأمون عن العثرات [٥]
كما قال مادح آل محمّد : دعبل الخزاعي في قصيدته، ولكنّ الحسد
[١]. في المصدر: «أفأمرهم» بدل «أفرأى أمرهم».
[٢]. الأنعام (٦): ٣٨.
[٣]. النساء (٤): ٨٢.
[٤]. نهج البلاغة، ص ٦١، الخطبة ١٨.
[٥]. العدد القويّة، ص ٢٨٦؛ كشف الغمّة، ج ٢، ص ٣٢٠؛ بحارالأنوار، ج ٥٣، ص ٢٤٦.