الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٨٢ - باب الاضطرار إلى الحجّة
شأنه- على العباد بنصب المميّزات في مواقع الشبهات؛ «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» [١]. [٢]
ولمّا وجد «عمرو بن عبيد» نصب المميّز في أمر الحواسّ أفاده بزعمه لهشام، غافلًا عمّا يتبعه من الكَبْح [٣] والإلزام، وبعد ما نبّه عليه تفطّن أنّ للكلام غوراً بعيداً، فعظّم هشاماً وأجلّ مكانه، ولم ينطق بشيءٍ مادام جالساً، دهشةً وهيبةً؛ وذلك لأنّه وجد نفسه معترفةً بوقوع الشبهة. كيف لا ولم يُفصَّل في محكمات الكتاب والسنّة حكم كلّ واقعةٍ تحدث في الامّة، وإلّا لما احتاجوا إلى القياسات والاستحسانات.
قال ابن الأثير في النهاية- وهو في تتبّع الآثار والغور فيها بمكانٍ رفيعٍ-:
المحدّثون يسمّون أصحاب القياس أصحاب الرأي، يعنون أنّهم يأخذون بآرائهم فيما يشكل من الحديث أو ما لم يأت فيه حديث ولا أثر [٤]. انتهى.
وظاهرٌ أنّ القياس والاستحسان لايفيدان إلّاظنّاً، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً.
وسيتبيّن في باب تفسير «إنا أنزلناه» بطلان مذهب المصوّبة الذين يقولون: ليس للَّه في كثير من الواقعات حكمٌ في نفس الأمر، بل ما استقرّ عليه رأي المجتهد فهو حكم اللَّه الواقعيّ، وإن استقرّ رأي مجتهدٍ آخر على نقيضه فهو أيضاً حكم اللَّه الواقعيّ، فلم يتصوّر خطأ في الحكم، بل الكلّ مصيبون؛ لأنّ حكم اللَّه تابع لآرائهم. تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
وكذا مذهب المخطّئة الذين يقولون: إنّ اللَّه حكماً في كلّ واقعة، ولكن لم يبيّن لنبيّه ٦ إلّابعضها، ووكل العباد في البواقي إلى عقولهم؛ لكي يستفرغ المجتهدون منهم وُسعهم في طلبها، فإن أصابوا كان لهم أجران، وإن أخطأوا فأجرٌ واحدٌ، والحقّ
[١]. الأنفال (٨): ٤٢.
[٢]. إشارة إلى الآية ١٦٥ من سورة النساء (٤): «لَئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ».
[٣]. كبح الدابّة: جذب لجامها لتقف. وبالسيف: ضرب. وفلاناً: ردّه عن الحاجة. القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٤٤ (كبح).
[٤]. النهاية، ج ٢، ص ١٧٩ (رأى).