الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٨٧ - باب جوامع التوحيد
عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ» [١]، إلى غير ذلك.
قال البيضاوي في قوله تعالى: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً» [٢]:
لمّا جاء بحقيقة حالهم عقّبها بضرب المثل، زيادةً في التوضيح والتقرير؛ فإنّه أوقع في القلب، وأقمع للخصم الألدّ؛ لأنّه يريك المتخيّلَ محقّقاً، والمعقولَ محسوساً، ولأمرٍ مّا أكثر اللَّه في كتبه الأمثال، وفشت في كلام الأنبياء والحُكماء. والمثَلَ في الأصل بمعنى النظير؛ يُقال: مِثل ومَثَل ومثيل كشِبه وشَبَه وشَبِيه ثمّ للقول السائر الممثّل مضربه بمورده، ولا يضرب إلّاما فيه غرابة، ولذلك حوفظ عليه من التغيير، ثمّ استعير لكلّ حال أو قصّة، أو صفة لها شأن وفيها غرابة، مثل قوله: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ» [٣] وقوله: «وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى» [٤].
وفي القاموس:
المثل- بالكسر والتحريك وكأمير-: الشبه، والجمع: الأمثال. والمَثَل محرّكةً: الحجّة والحديث، وقد مثّل به تمثيلًا وامتثله وتمثّله، وبه، والصفة، ومنه «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ» وامتثل عندهم مثلًا حسناً، وتمثّل: أنشد بيتاً، ثمّ آخَرَ ثمّ آخَرَ وهي الامثولة. وتمثّل بالشيء: ضربه مثلًا. [٥]
أقول: يستفاد من الآيات الكريمة أنّ معنى «ضرب العبد مثلًا للَّهتعالى» ذكرٌ باطل لا يليق نسبته إلى جناب الحقّ، أو لا يجوز له أن يقوله مع علم اللَّه المحيط بكلّ شيء، وقدرته الكاملة التي لا يمتنع منها شيء، ومعنى «ضرب اللَّه تعالى مثلًا» ذكر ما ينبغي أن يعتبر ويتّعظ منه، سواء كان ذكره على وجه التشبيه أو على وجه الحكاية، والأمثال التي يضربونها للَّهسبحانه في الحدّ على تقدير المحال مثل تشبيهه بالمخلوقات وإجراء أحكامهم عليه؛ تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
[١]. الرعد (١٣): ١٧.
[٢]. البقرة (٢): ١٧.
[٣]. الرعد (١٣): ٣٥.
[٤]. أنوار التنزيل، ج ١، ص ١٨٦. و الآية في سورة النحل (١٦): ٦٠.
[٥]. القاموس المحيط، ج ٤، ص ٤٩ (مثل).