الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢١٠ - ختام مسك لرحيق تحقيق
وعلى هذا يتقابل أجزاء المشبّه والمشبّه به على التناظر بلا حاجة إلى تقدير، فالمعنى: مَثَل هؤلاء الكفرة الرؤساء في دعائهم للسفلة الجهلاء دعوةً شبيهة بالنعق؛ لكونها عاطلةً عن البيان والبرهان، وكونُ مجيبتها فاقدةً للفطن والأذهان، لاهيةً عن التفكّر في الحقيقة والبطلان كمثل الراعي ينعق بالبهائم التي لا تسمع إلّادعاءً ونداءً، ولا تفهم من الدعاء والنداء إلّاما عُوّدت فهمَه بتكرير الصياح والصفير.
وعلى هذا كان الكلام مستغنياً عن التقدير.
فإن قلت: إنّ مقتضى التشبيه أن لا يكون الداعي مذموماً كالراعي، وهذا إنّما يستتبّ بتقدير المضاف وإرادة النبيّ به.
قلت: هذا وإن كان جهةَ ترجيح للتقدير إلّاأنّها معارَض بأنّ المذموميّة في المثل من جهة اتّباع الدعوة بلا تدبّر وتفكّر، وعلى تقدير التقدير تكون من جهة عدم الاتّباع، وإذا حمل الداعي على الذين كفروا تناسق الممثّل والممثّل له، والثاني راجح باعتضاده بأنّ الأصل عدم التقدير.
ثمّ اعلم أنّ النعق يُستعمل طالباً للمفعول بوساطة الباء وغير طالب؛ في القاموس:
«نعق بغنمه: صاح بها، والغراب: صاح». [١]
ولابدّ في دعوة الغنم من النعق؛ لأنّه فاقد العمل ليس من شأنه الفهمُ والتدبّر، والناعق أيّاً لا سبيل له إلى الدعوة غير النعق.
وأمّا الإنسان، فيجب أن يكون من شأنه الفهم والتدبّر ليتمّ عليه الحجّة، فإذا كان الداعي هو النبيّ ٦ فلا يناسب التعبير عن دعوته بالنعق المأخوذ في معناه عدمُ الإفصاح، بل ينبغي أن يُصاغ الكلام بحيث يرتفع توهّم التقصير من جانب الداعي، ويتّضحَ أنّ عدم قبول الدعوة لسوء ذوات المدعوّين وخبث طيناتهم.
نعم، قد يسند النعق إلى الداعي إذا اريد ذمّه، إمّا من جهة أنّه قاصر في البيان البرهاني، أو من جهة أنّه يخاف أن يفصح عن المدّعى، ويدعو إليه بالحجّة والبيّنة؛ ليقع التدبّر، ويظهر بطلان ما يدعو إليه، فلم يظفر بالمرام.
[١]. القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٨٦ (نعق).