الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ١٢٦ - كتاب العقل و الجهل
المعقول [١]، والحياء انفعال القلب عمّا يرد عليه، والدِّين فعل المعروفات وترك المنكرات.
والحياء على قسمين: حياءٍ نشأ من ضعف القلب وقلّة الاحتمال لعجزه، وهو ليس بممدوح؛ وحياء نشأ من استشعار العظمة والهيبة. فالأوّل حياء من الخلق، والثاني حياء من اللَّه، وهو من محاسن الأخلاق ومكارم الخصال؛ ولهذا ورد: «الحياء من الإيمان». [٢]
وقال بعض العرفاء: الحياء وجود الهيبة في القلب مع خشية ما سبق منك إلى ربّك.
وقال بعضهم: إنّ العباد عملوا على أربع درجات: الخوف، والرجاء، والتعظيم، والحياء، وأشرفهم منزلةً مَن عمل على الحياء لما أيقن أنّ اللَّه يراه على كلّ حال، فاستحيا من حسناته أكثر ممّا استحيا العاصون من سيّئاتهم.
وهذه الخصال الثلاث لكلّ منها ضدّ؛ فضدّ العقل هو الجهل بالمعنى الوجوديّ- أعني إدراك الشيء خلاف ما هو عليه- وهو من أسوء الأخلاق السيّئة وأفسدها؛ إذ الكفر شعبة منه، وضدّ الحياء الوقاحة، وضدّ الدِّين الفسق.
إذا تقرّرت هذه المقدّمات فنقول: في الحديث مطالب ثلاثة:
أحدها: وجه الاقتصار على هذه الخصال الثلاث.
والثاني: وجه كون العقل هو المختار منها.
والثالث: علّة استلزامه للأخيرتين.
أمّا الأوّل، فلأنّ للإنسان قوّتين: فعليّة وانفعاليّة.
والاولى إذا كانت فاضلة يصدر منها فعل الطاعات والعبادات، ويسمّى بالدِّين تسميةً للسبب باسم المسبّب.
والثانية: إمّا انفعالها بالصور إدراكيّة، فهي العقل إذا كانت فاضلة، أو بغيرها من الامور الحسّيّة، فهي الحياء إذا كانت فاضلة.
وأمّا الثاني، فلا شبهة في أنّ العقل أشرف الخصال وأكرمها؛ إذ به يُعرف الحقّ ويميّز عن الباطل، وبه يكمل الإيمان ويتقرّب إليه تعالى، وهو الذي يحبّ اللَّه ويحبّه اللَّه.
[١]. في المصدر: «المعقولات».
[٢]. الكافي، ج ٢، ص ١٠٦، باب الحياء، ح ١؛ عيون أخبار الرضا، ج ١، ص ٢٦٥، ح ٢٣.