الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٧٠ - شرح خطبة الكافي
وهذان الحديثان صريحان في التربيع، كما هو مقتضى العقل الصريح.
وعبارة المصنّف من جهة وقوع مساهلة فيها توهم التثليث، وهذه المطالب تستدعي بيان معنى المشيّة والإرادة والقضاء والقدر والسعادة والشقاوة، وبيانَ أنّه من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتّى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم، وسيجيء هذه المباحث في كتاب التوحيد إن شاء اللَّه تعالى.
والذي يناسب ذكره هاهنا أن نقول: إنّ خلق النبيّين على النبوّة عبارة عن تيسيرها لهم بأسباب سماويّة فقط، وخلق الوصيّين على الوصيّة بتيسيرها لهم بأسباب سماويّة مع مدخليّة نبيّ، وخلق المؤمنين على الإيمان عبارة عن تيسير إيمان لهم ثابت مستقرّ كالنقش في الخاتم.
توضيح ذلك: أنّ الأشياء في مرتبة الإمكان والمقدوريّة- التي هي متقدّمة بالطبع على مرتبة الإيجاد- كانت معانيَ انتزاعيّةً منشؤها القدرة الكاملة، وكان لكلّ واحد خصوصيّة حتّى يكون ممكناً خاصّاً، وبها تمام قوام ماهيّته الشخصيّة، وكذلك لكلّ عدّة حتّى يكونوا نوعاً خاصّاً وصنفاً خاصّاً، فمنهم من كانوا باعتبار خصوصيّتهم بحيث إذا عُرض عليهم الإيمان تلقّوه بالقبول تلقّيَ الصَّدْيانِ [١] لشربة ماء عذب بارد، فتيسيرَ أسباب تحقّق ذلك منهم خلقٌ لهم على الإيمان، والطينةُ الطيّبة- التي وردت في الأخبار- مابه قوام وجود تلك الخصوصيّة، والطينةُ الخبيثة مقابلها، وبهاتين كانت الأخيار والأشرار موجوداتٍ خاصّةً، كما أنّهم بالخصوصيّات التي كانوا بها في مرتبة المقدوريّة ممكناتٌ خاصّةٌ، وحديث الزرع الذي سبق كافٍ لُاولي الألباب في هذا الباب، هذا.
وإعارة الإيمان عبارة عن تيسير متابعة الإمام الحقّ وتصديقه، ولكن تصديقاً تقليديّاً يصلح أن يترقّى إلى درجة العلم واليقين، وأن يتنزّل إلى مرتبة الجحود
[١]. الصديان من الصدى: شدّة العطش. وقيل: العطش. يقال: هو صَدٍ و صادٍ و صَديان، والانثى: صديا. انظر: العين، ج ٧، ص ١٤١؛ لسان العرب، ج ١٤، ص ٤٥٣ (صدى).